مقالات

الإمارات وإثيوبيا تشعلان الحرب في السودان وتتباكيان على السلام

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك: 

عاد مطار الخرطوم الدولي للعمل بعد ثلاث سنوات من الحرب والصمت والركام والدمار. عاد بعد أن صمد السودانيون وقاتلوا وماتوا. أُعيد افتتاحه وكان حدثاً ورمزاً لدولة عصية على الانكسار رغم المؤامرة الاقليمية والدولية. لم تجف فرحتنا به حتى جاءت الطائرة المسيرة من بحر دار، من عمق الأراضي الإثيوبية لتحاول ضربه ووقف مسيرة إعادة الاعمار وعودة الحياة لطبيعتها في السودان.

في الرابع من مايو 2026 أعلن الجيش السوداني أنه أسقط طائرة مسيرة حاولت استهداف مطار الخرطوم. لم تكن طائرة مجهولة ولا حادثة عارضة. كان الدليل لا يكذب فالجيش أعلن رقمها التسلسلي — S88 — وحدد صاحبها الإمارات العربية المتحدة. وحدد منصة الإطلاق وهي مطار بحر دار الإثيوبي.

وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم قال صباح الخامس من مايو: نعلن رسمياً تورط الإمارات وإثيوبيا في قصف مطار الخرطوم. كالعادة رد الإماراتيون وهم كاذبون بان هذا افتراء، ثم ردت إثيوبيا بأن هذه اتهامات لا أساس لها. هذا هو الإنكار المعتاد ولكن الوثائق لا تكذب.

قبل ثلاثة أشهر من محاولة ضرب مطار الخرطوم نشرت وكالة رويترز تحقيقاً استقصائياً. وفق التحقيق فان رويترز تحدثت مع خمسة عشر مصدراً منهم مسؤول حكومي إثيوبي رفيع المستوى وراجعت مذكرة داخلية صادرة عن جهاز الاستخبارات الإثيوبي إضافة إلى برقية. دبلوماسية سرية.
ماذا وجدت؟
حسب رويترز في منطقة بني شنقول-قمز على بعد عشرين ميل من الحدود السودانية تمت ازالة احدى الغابات وأُقيم معسكر. ليس معسكراً للاجئين بل معسكر عسكري بناه المال الإماراتي وأشرف عليه المدربون الإماراتيون من أجل إمداد قوات الدعم السريع بدماء جديدة للقتال داخل السودان.
في يناير 2026 كان في المعسكر 4300 مقاتل يتدربون على السلاح. والمذكرة الأمنية الإثيوبية التي رأتها رويترز تقول بالحرف أن الإمارات توفر الإمداد اللوجستي والعسكري لهم. كما رصدت رويترز عبر الصور الساتيلية شاحنات لشركة Gorica Group الإماراتية وهي في الطريق نحو المعسكر في أكتوبر 2025. وأوضحت رويترز في تحقيقها أن مطار أسوسا الذي يبعد 33 ميلاً من المعسكر تم بناء هناقر جديدة فيه في أغسطس الماضي ومدارج معبدة ومحطة تحكم أرضية للطائرات المسيرة. ويتساءل تحقيق رويترز الاستقصائي من الذي بناها؟ المسؤول الإثيوبي الرفيع ذاته قال لرويترز إن الإمارات دفعت تكاليف هذا التحديث أيضاً.
هذا ليس مجرد تدخل عسكري فقط بل هو إنشاء بنية تحتية للحرب.

الأدلة على أرض المعركة لا تقل صراحة عن الوثائق. فحسب منظمة العفو الدولية فانها قد حللت في السابق صوراً من مناطق تم ضربها بواسطة مليشيا الدعم السريع المتمردة ووجدت قنابل جوية موجهة صينية من طراز GB50A للمرة الأولى في تاريخ أي نزاع عالمي توثق هذه القنابل وهي تستخدم في القتال وهي قنابل لا تسقطها إلا طائرات Wing Loong II وFeiHong-95، وهذان النوعان لا يملكهما السودان كدولة أو جيش وهما مقدمان من الإمارات حصراً للمليشيا المتمردة. والخلاصة التي توصلت إليها المنظمة أن هذا انتهاك صريح لحظر أسلحة دارفور من قبل الإمارات ودليل دامغ على دعمها المستمر لقوات ارتكبت جرائم حرب.

تقرير Conflict Insights Group الصادر في أبريل 2026 والذي دعمته منظمة Refugees International ذهب أبعد من ذلك حيث أثبت وجود مرتزقة كولومبيين كانوا داخل مدينة الفاشر وفي محيطها حين سقطت في أكتوبر الماضي وانهم كانوا يعملون تحت المظلة الإماراتية، وأن دعم الإمارات شمل تطوير قدرات الطائرات المسيرة التي نفذت الضربات التي راح ضحيتها مدنيون عزل في الفاشر ومناطق أخرى.

المثير للرثاء هو اصدار الإمارات وإثيوبيا في السادس من يناير 2026 بياناً مشتركاً يطالبان فيه بوقف إطلاق النار في السودان ويحتفيان بما وصفاه علاقات تخدم أمن البلدين وفي الشهر نفسه كانت الشاحنات تنقل المقاتلين إلى معسكر بني شنقول-قمز. لا أعرف كيف يسمى هذا في القاموس الدبلوماسي لكن في اللغة العادية يسمى كذباً فاضحاً.

الأمر لا يقف عند الوقاحة الأخلاقية فالقانون الدولي صريح وقاطع. ميثاق الأمم المتحدة يعرف العدوان بما يشمل إرسال جماعات مسلحة أو مرتزقة أو تمكينها من شنّ عمليات مسلحة ضد دولة أخرى. وحظر الأسلحة على دارفور مفروض منذ عام 2004 بموجب الفصل السابع وهو ملزم لجميع الدول. وبناء قاعدة إطلاق طائرات مسيرة على أراض دولة مجاورة لضرب دولة ثالثة هو انتهاك صريح لمبدأ السيادة المنصوص عليه في المادة الثانية من الميثاق.

منذ وصول أبي أحمد للسلطة في اثيوبيا عام 2018 ضخت الإمارات مليارات الدولارات في الاقتصاد الإثيوبي. وتقرير Middle East Eye رصد في يناير 2026 طائرة شحن ضخمة من طراز An-124 مرتبطة بسلاسل الإمداد الإماراتية أجرت رحلات بين قواعد في البحرين وإسرائيل ثم إلى إثيوبيا. وحسب المحللين الأمنيين لـMiddle East Eye فإن أديس أبابا أصبحت هي العمود الفقري للاستراتيجية الإماراتية في القرن الأفريقي مما يعني أن المسألة تتجاوز السودان، وأن العدوان الإماراتي الاثيوبي على السودان هو ورقة ضمن لعبة إقليمية أكبر وأرضنا هي الميدان.

مدير منطقة القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية آلان بوسويل قال لولا الدعم الخارجي كانت الحرب قد توقفت في السنة الأولى. وترجمة هذا الكلام هي أن الحرب مستمرة لأن هناك من يريدها أن تستمر. كذلك قال المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن عدد المدنيين القتلى تضاعف هذا العام ووصف الحرب بأنها دموية وعبثية وتغذيها جهات خارجية. كما أن المحكمة الجنائية الدولية تقول إن جرائم ضد الإنسانية ارتكبت في الفاشر. ولجنة الأمم المتحدة تقول إن ما جرى هناك يحمل سمات الإبادة الجماعية. ومع ذلك فإن مجلس الأمن مشلول والفيتو يحمي من يجب أن يحاسب والإمارات تضخ الملايين في العلاقات العامة والاستثمارات الدولية لتبدو دولة محايدة حريصة على السلام.

في المجمل الإمارات تتباكى على السلام في مؤتمرات برلين وباريس ولندن وتمول الحرب في أسوسا وبني شنقول. وإثيوبيا تتحدث عن الروابط التاريخية مع السودان وتفتح أراضيها لمعسكرات تدريبية ولطائرات تقصف السودان. الوثائق موجودة والأدلة موجودة والضحايا موجودون فقط ما ليس موجوداً هو المحاسبة.
وإلي أن يأتي اليوم الذي يقف فيه المسؤول عن هذه الجرائم أمام العدالة يجب أن يعرف العالم أن الأدلة موثقة والأسماء معروفة والتاريخ يحفظ كل شيء.

اللهم احفظ السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى