مقالات

رافال مصر في الإمارات.. توازن الردع لا اصطفاف الحرب

بقلم/ رانيا عمر: 

لم يكن ظهور المقاتلات المصرية في الإمارات حدثاً عسكرياً عادياً، بل إشارة مباشرة إلى أن موازين القوة في المنطقة دخلت مرحلة إعادة تموضع واسعة. ففي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء الإعلان عن وجود “مفرزة مقاتلات مصرية” داخل الإمارات ليفتح أبواب التأويل حول طبيعة هذا التمركز وحدوده، والرسائل الكامنة خلفه، في وقت تتشابك فيه أزمات الخليج والسودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي داخل مشهد واحد شديد السيولة.
اللافت أن الإعلان صدر من أبوظبي، بينما صمتت القاهرة تماماً، مكتفية بالمشهد الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد وسط الطيارين المصريين داخل القاعدة الجوية. ذلك الصمت لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل منح الخطوة أبعاداً سياسية أعمق، وجعلها أقرب إلى رسالة محسوبة بدقة منها إلى مجرد تنسيق عسكري معتاد بين دولتين حليفتين.
الصور التي بثتها وكالة الأنباء الإماراتية “وام” أظهرت بوضوح أطقم وتجهيزات مرتبطة بمقاتلات “رافال”، بما يؤكد أن الوجود المصري يحمل بعداً عملياتياً حقيقياً، حتى وإن ظل محدود النطاق. الرسالة هنا لا تبدو مرتبطة بالاستعداد لخوض مواجهة مباشرة، بقدر ما تعكس سعياً لإعادة ضبط معادلات الردع داخل منطقة تتغير تحالفاتها بوتيرة متسارعة.
وفي قلب هذا المشهد يقف السودان باعتباره أحد أهم مفاتيح فهم التحرك الحالي. فالسودان بالنسبة لمصر ليس مجرد جار جغرافي، بل امتداد مباشر لأمنها القومي وعمقها الاستراتيجي. ومع التحولات العسكرية الأخيرة والتقدم الذي حققته القوات المسلحة السودانية في عدة جبهات، أصبحت معركة الحفاظ على وحدة السودان جزءاً من معركة أوسع تتعلق بشكل النفوذ الذي سيحكم الإقليم خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، لم يعد الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع قضية قابلة للتأويل السياسي، بل تحول إلى واقع تتعامل معه الخرطوم باعتباره تهديداً مباشراً لسيادة الدولة السودانية ووحدة أراضيها. كما زادت التطورات الأخيرة المرتبطة بالمسيرات الإثيوبية ـ الإماراتية من مستوى التوتر، خاصة بعد التصعيد السوداني الرسمي تجاه أديس أبابا ووصفها بأنها “دولة عدوان”.
من هنا يصبح مفهوماً أن يُقرأ الوجود العسكري المصري في الخليج أيضاً باعتباره رسالة مرتبطة بأمن السودان، وبمنع تشكل واقع جيوسياسي جديد يُعاد فيه رسم النفوذ على حساب الخرطوم أو البحر الأحمر أو المصالح المصرية في العمق الأفريقي.
المشهد لا ينفصل كذلك عن الملف الإثيوبي وسد النهضة، الذي ظل طوال السنوات الماضية أحد أكثر ملفات الإقليم حساسية وخطورة. فالعلاقات الاقتصادية والاستثمارية الوثيقة بين الإمارات وإثيوبيا، إلى جانب التداخلات الأمنية المتشابكة في القرن الأفريقي، تجعل أي تحرك عسكري في هذه المرحلة محملاً برسائل تتجاوز كثيراً حدود الإعلان الرسمي.
ورغم الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق الخطوة، فإن المعطيات الحالية لا تشير إلى انخراط مصري في أي مواجهة مباشرة ضد إيران، أو تحول هذا التواجد إلى جزء من تحالف هجومي في الخليج. فالعقيدة العسكرية المصرية، كما أثبتت تجارب السنوات الأخيرة، ظلت قائمة على حماية الأمن القومي ومنع التهديدات، لا الانزلاق نحو حروب استنزاف مفتوحة خارج الحدود.
ولهذا يبدو التمركز الحالي أقرب إلى تموضع ردعي محسوب، هدفه احتواء الانفجار الإقليمي لا توسيعه، خصوصاً في ظل إدراك جميع الأطراف أن أي اشتعال واسع في المنطقة سيقود إلى فوضى تتجاوز قدرة الجميع على السيطرة.
ما يحدث اليوم يكشف أن الشرق الأوسط دخل فعلياً مرحلة إعادة تشكيل كاملة لموازين النفوذ والتحالفات. وفي مثل هذه اللحظات، لا تملك الدول المؤثرة رفاهية التراجع أو الانتظار، لأن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى خالية طويلاً، وغالباً ما تُملأ على حساب من يغيب عن لحظة إعادة رسم المشهد.
ومن هذا المنطلق، يبدو التحرك المصري محاولة لإعادة تثبيت الحضور العربي داخل معادلة إقليمية شديدة الاضطراب، ومنع انفراد القوى الإقليمية والدولية بتحديد مستقبل المنطقة، سواء في الخليج أو البحر الأحمر أو القرن الأفريقي.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبقى حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها؛ وهي أن السودان دولة ذات سيادة، تدرك طبيعة المصالح المتشابكة والتقاطعات السياسية في الإقليم، وتتعامل معها وفق حسابات الدولة لا وفق الانفعالات أو الشعارات. فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالعواطف، بل بموازين المصالح والقدرة على حماية الأمن القومي وسط بيئة إقليمية شديدة السيولة.
الخلاصة.. 
وجود الرافال المصرية في الإمارات ليس إعلان حرب، كما أنه ليس استعراض قوة بلا أهداف. إنه تموضع سياسي وعسكري محسوب داخل لحظة إقليمية فارقة، هدفه منع اختلال المشهد الإقليمي وحماية المجال الحيوي العربي من مزيد من التفكك والفوضى. وفي الشرق الأوسط، الدول التي تغيب عن لحظة إعادة تشكيل النفوذ، تجد نفسها لاحقاً خارج معادلة التأثير مهما امتلكت من القوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى