مهنة تبحث عن نفسها

محمد عثمان (دبايوا):
لم يعد في المشهد الصحفي ببلادي ما يستحق التجميل أو المجاملة. ما يحدث ليس تراجعًا عابرًا، بل أزمة عميقة تتداخل فيها عوامل عديدة، تُدار بعقليات لم تعد قادرة على مواكبة التحولات التي شهدتها المهنة.
الصحافة التي يُفترض أن تكون سلطة رقابية، تحوّلت إلى ساحة مُستنزفة، تتقاسمها المحسوبية والأقدمية والولاءات السياسية. قيادات وصلت في ظروف لم تُتح فيها معايير التنافس المهني العادل، واستمرت لفترات طويلة، لا باعتبارها مسؤولية عامة، بل كأنها امتياز شخصي. النتيجة لم تعد خافية اتحاد، ونقابة، وروابط وقطاع منقسم، ومهنة فاقدة للبوصلة، وصوتٌ باهت لا يُسمع ولا يُؤثر، في غابة الوسائط، رغم أن الهدف يفترض أن يكون واحدًا بعيدًا عن الأجندات الضيقة.
المشكلة لا تتعلق بالأدوات وحدها، بل أيضًا بطريقة إدارتها ومواكبتها للتغيير. عالم الصحافة تغيّر جذريًا، خاصة في الوسائل والمعينات، بينما لا يزال بعضنا يتحرك بعقلية الأمس، في وقت أصبحت فيه مواكبة اللغات والتقنيات ضرورة لا خيارًا، فضلًا عن استيعاب التحولات الرقمية المتسارعة. أما الارتهان للمؤسسات الرسمية، فقد أضعف استقلالية كثير من المنابر وحدّ من تأثيرها، مع تقاعس القطاع الخاص عن إنشاء مؤسسات صحفية جماعية مستقلة.
والأسوأ من ذلك، أن منظومة القوانين الحالية لا توفر الحماية الكافية للصحافة، بل تحدّ من استقلاليتها بل تكبلها احينا، وتُبقيها رهينة لجهاتٍ لا تنظر دائمًا إلى الصحافة الحرة باعتبارها ضرورة وطنية.
أما التدريب، ففي كثير من الأحيان لم يحقق الأثر المهني المطلوب، إذ يتولاه أحيانًا أشخاص يفتقرون إلى الخبرة العملية الكافية، تحت شعار أن المهم شهادة تُضاف إلى السيرة الذاتية للمتدرب، بلا إضافة حقيقية للمهارة أو المعرفة.
والقيد الصحفي لم يعد معيارًا مهنيًا، يعكس مستوى التأهيل المطلوب،بل بطاقة في جيب كل من هبّ ودبّ، يحصل عليها كل من نجح في اختباراتٍ يُدرّب عليها مسبقًا.
وهكذا أصبح تعريف “الصحفي” فضفاضًا، يتدثّر به السياسي و الأكاديمي و الموظف والمترجم والكاتب، وحتى من لا مهنة له.
ولا يجب أن نعزو هذا الانحدار فقط إلى الظروف الاقتصادية أو الحرب. فهناك دول عديدة تعيش ويلات الاحتراب واقتصاداتها منهكة، ومع ذلك لم تتراجع صحافتها عن أداء رسالتها المهنية.
نحن هنا لا نتحدث عن صراع بين صحافة قديمة وأخرى جديدة، ولا عن مجرد اختفاء الصحافة الورقية وإحلال الإلكترونية محلها، فالتغيير الحقيقي كان في المنصة أكثر من جوهر المهنة نفسها. ما حدث أن الوسيط تبدّل لظروف معينة، بينما بقيت مهارات المهنة وأخلاقياتها هي الأساس. واليوم نشهد انتشار مواقع إلكترونية تفوق في عددها ما كانت عليه الصحف الورقية، لكن التجربة أثبتت أن “الرقمي وحده” لا يعوض دائمًا تأثير الورق، ولذلك بدأت بعض المؤسسات الإعلامية العالمية تعود إلى الطباعة. وبين الاثنين تظل قواعد المهنة واحدة ثابتة لا تتغير، غير أن ما يثير القلق حقًا هو التراجع في أساسيات العمل الصحفي وأخلاقياته، لا مجرد التحول في الوسائط.
لا جدوى من التجميل. الوضع يحتاج إلى إعادة نظر عاجلة، وما لم تُكسر الحلقة الحالية وتُبدّل السياسات، سيبقى الانحدار هو القاعدة. المطلوب ليس إصلاحًا شكليًا، بل قطيعة واضحة مع الأساليب القديمة في اختيار القيادات، ووضع ميثاق شرف يضعه الصحفيون أنفسهم ويلتزمون به دون تدخل من جهة رسمية، وإعادة بناء هيكل قيادي يقوم على الكفاءة لا الولاء، وعلى المهنية لا العلاقات، وقلبه على الوطن والمهنة.
وبالطبع، وسط هذا الركام، تقف قلة صامدة تدفع ثمن تمسّكها بالمهنية يوميًا. هذه الفئة لم يعد يكفيها الصبر أو الشكوى، بل عليها أن تتحرك، وأن تفرض نفسها كبديل، وأن تقتحم المشهد بوجوه مؤهلة، وتنتزع حقها عبر انتخابات حرة حقيقية لجسمٍ صحفي واحد، لا إعادة تدوير للوجوه نفسها عبر قوائم معدّة سلفًا.
فالمسألة لم تعد صراع مواقع، بل معركة بقاء لمهنة بأكملها، من أجل وطن ما بعد الحرب، ومستقبل صحفي تُفتح له أبواب العالمية.
لا نريد صحافة مجرد بطاقة أو وظيفة، بل ممارسة قائمة على التحقق والمسؤولية وخدمة الجمهور. ونريد صحفيًا مهنيًا يعمل وفق قواعد التحرير والتوثيق والمساءلة، وقلبه على وطن يتعرض لابشع أنواع العدوان.
فلم يعد من الممكن تجاهل حجم التحديات القائمة… فإما أن تُستعاد الصحافة، أو يُعلن موتها بصمت.


