بعد تكريمه في باريس… عبد الله رزق الاستهداف الممنهج لم يمنع الصحفيين من الدفاع عن الحقيقة

على مدى أربعة عقود، ظل عبد الله رزق حاضرًا في قلب المشهد الصحفي السوداني، بدأ محررًا شابًا يشق طريقه بثبات داخل غرف الأخبار، قبل أن يتدرج به المقام إلى رئاسة التحرير، مستندًا إلى انضباط مهني صارم وإيمان راسخ برسالة الصحافة.
وخلال تلك الرحلة الطويلة، رسخ حضوره كواحد من أبرز الأصوات والأقلام التحليلية في الصحافة السودانية، عبر زاويته “جراب الرأي” التي تحولت إلى مساحة للدفاع عن الحقيقة، يقدم فيها الرأي، وينحاز -بطبعه- لقضايا الناس بلغة رصينة ورؤية ناقدة لا تساوم.
ذلك المسار المهني الممتد، وما ارتبط به من التزام بقيم الصحافة الحرة، كان حاضرًا في التكريم الذي ناله أخيرًا من اتحاد الصحفيين والكتاب العرب في أوروبا، خلال احتفالية اليوم العالمي لحرية الصحافة، تقديرًا لعطائه الطويل وإسهاماته في الدفاع عن حرية الكلمة والرأي.
حوار: صوت الأمة
ماذا يعني لك هذا التكريم في باريس، خاصة وأنه يأتي في مناسبة مرتبطة بحرية الصحافة؟
هذا التكريم الذي تلقيته من الاتحاد العالمي للصحفيين والكتاب العرب في أوروبا، والذي تزامن مع الاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة، هو -في تقديري- تكريم لكل الصحفيين السودانيين، خاصة وأنه ترافق مع تكريم نقابة الصحفيين السودانيين من قبل اليونسكو، التي نتشرف بعضويتها، لدورها في التصدي للانتهاكات التي يتعرض لها أعضاؤها في زمن الحرب، من جهة، وتصديها لخطاب الكراهية والزيف والأكاذيب وحرصها على تمليك الحقائق والمعلومات الصحيحة للمواطنين.
إنني أجد نفسي، في هذا التكريم الذي يبرز ويوثق الدور المهم الذي لعبته النقابة في دعم الحريات، وفي الدفاع عن حرية الصحافة والصحفيين ولما يزيد عمرها عن بضعة أعوام ، هذه مناسبة لأهنئ زملائي في النقابة، متمنيًا لهم دوام التوفيق والنجاح.
لقد وجد هذا التكريم المزدوج، للنقابة ولشخصي، أصداءً واسعة بدلالة ردود الفعل التي يمكن رصدها في السوشيال ميديا، فقد عبرت عن اهتمام وفرح غير مسبوقين في ظروف يرتبط فيها اسم السودان بالهزائم والانكسارات، فقد جسدت ردود الفعل المشار إليها انتصارًا على حالة الإحباط التي تخيم على واقع البلاد وشعبها.
ما الرسالة التي يحملها تكريم صحفي سوداني وسط هذا الظرف القاسي الذي تمر به البلاد؟
إن الرسالة التي يحملها هذا التكريم هي الإقرار بقدرة الصحفي السوداني على مغالبة التحديات والانتصار عليها، وقدرة الإنسان السوداني على الوقوف ضد الحرب وإطفائها مهما طال الزمن ومهما تضاعفت التضحيات. في هذا السياق لا يفوتنا أن نترحم على شهداء الصحافة، شهداء الثورة السودانية، وندعو للمعتقلين والمغيبين قسريًا بالعودة العاجلة للوطن في ظل الحرية والعدالة والسلام، مثلما ندعو للنازحين واللاجئين بالعودة سالمين منصورين بإذن الله.
هل يعكس فوز نقابة الصحفيين بجائزة اليونسكو لحرية الصحافة تقديرًا على دور الصحافة الجادة في الدفاع عن الحقيقة؟
على الرغم من أن عمر النقابة لم يتعدَّ بعض سنوات، وما زالت في مرحلتها التأسيسية واستكمال بنائها التنظيمي، إلا أنها أظهرت حيوية في التعامل مع الطوارئ وفي مقدمتها الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد وتطورت إلى حرب أهلية، الأمر الذي أكسبها ثقة الجميع وتقديرهم لعملها وإنجازاتها، كما جرى التعبير عن ذلك من خلال استحقاقها جائزة اليونسكو لحرية الصحافة.
كيف تنظر إلى واقع حرية الصحافة في السودان اليوم، في ظل الحرب والانقسام والاستقطاب؟
من البديهي أنه في ظل الحرب الأهلية التي هي أعلى شكل من انتهاكات حقوق الإنسان، أن تتأثر أوضاع الصحافة والصحفيين، وتتعثر مسيرتها وأداؤها لرسالتها، بدليل ما وثقته نقابة الصحفيين من انتهاكات. ومع ذلك فقد تصدى للمهمة الصحفيون والصحفيات، بكل شجاعة وتصميم، متخطين الصعاب والتحديات كافة، لإيجاد مكان للصحافة في مثل هذا الوضع الاستثنائي، والذي كلفهم حياتهم أحيانًا، من أجل القيام بدور الصحافة المرتجى، في التنوير، وفي تمكين المواطن من معرفة واقعه، والقيام بواجبه وتكامل دوره في استعادة الحريات وإطفاء نار الحرب، والدفاع عن وحدة البلاد وسلامتها.
ما أكثر التحديات التي تواجه الصحفيين السودانيين في الوقت الحالي: الرقابة أم الاستهداف أم صعوبة الوصول إلى المعلومات؟
لقد تضافرت الكثير من التحديات التي تعترض سبيل الصحافة، لا يتعلق الأمر بالرقابة ،قبلية أو بعدية، ولا صعوبة الحصول على المعلومات والاستيثاق منها وحسب، وإنما بالاستهداف الممنهج، الذي دفع بالصحفيين لأن يتشردوا بين الملاجئ ومراكز النزوح والمعتقلات.
ومع ذلك فقد حافظ الصحفيون على قيم المهنية وتقاليد الاستقلالية والحرية الصحفية، كما تشهد بذلك وقائع تكريم الصحفيين من جهات مختلفة خلال الفترة الماضية.
برأيك، هل لا تزال الصحافة قادرة على لعب دورها في تشكيل الوعي والدفاع عن الحقيقة، على الرغم من التحديات التي تواجهها اليوم؟
في الراهن يمكن للصحافة، وخاصة الإلكترونية التي أصبحت ملاذ الصحفيين في ظل تراجع الحريات بفعل الحرب، أن تكون بوصلة تحدد الاتجاهات الصحيحة وتحارب خطاب الكراهية والأكاذيب، وتؤشر الطريق المستقيم لإنهاء الحرب واستعادة الدولة التي اختطفتها الجهويات والمصالح الضيقة، والجهات المسلحة. وكانت نقطة البداية هي تسامي الصحف والصحفيين على الانقسامات القبلية والجهوية والاستقطابات المليشياوية، والتبشير بوطن الحرية والسلام والمساواة، كأفق تتوحد حوله كل النوايا الشريفة وتتجه إليه كل الخطى المخلصة.
فالسودان، خاصة بالنسبة لنا في الخارج، هو الأفق الذي تتعلق به أبصارنا، وأحلامنا وآمالنا… هو الغد الذي نتطلع إليه من وراء مطلع كل شمس.




