التحولات في السينما السودانية.. سر الصورة وسحر الحكاية

حسام البر:
عندما تنفتح نافذة في نفسك فجأة، وتجد نفسك متطلعًا نحو إشراق عظيم، ونور بارد رحيم يجتاحك، وينتابك شعور جديد مختلف، يكتنف كل ما ألفت من قبل، فأنت حينها في حضرة فيلم عظيم، قبس من المعنى يتنزل. سحر السينما يكمن في قدرتها التي لا يجاريها فيها فن آخر من ضروب الفنون، في سحب الإنسان من واقع حياته اليومية وتعقيداتها، والقذف به في اللحظة الحاضرة، في الآن، لحظة خارج الزمان والمكان، لا ينشغل فيها بالماضي ولا بالمستقبل، لحظة يخرج بها خارج ذاته ليتوحد مع المشهد، مع الصورة التي يصنعها النور. في تلك اللحظة يصبح كل شيء ممكنًا، وحينها يتجدد الإدراك والشعور والوعي. إن الخروج خارج الذات ثم العودة بعيون جديدة قد يكون في أحيان كثيرة علاجًا لأوجاع تضاريس الواقع ونتوءاته، إمّا بالتفهم أو بالتجاوز.
الرشيد مهدي : التأسيس الأول
المفارقة أن صناعة السينما الروائية لم تبدأ في العاصمة الخرطوم كما هو متوقع، بل بدأت في مدينة “قطار الشوق”، مدينة عطبرة شمال شرق السودان، إذ كان فيلم “آمال وأحلام” ،اول فيلم سوداني روائى طويل، والذي اكتمل إنتاجه عام 1970 ، وصُوِّر معظمه في مدينة عطبرة، وأجزاء منه في مدن الدامر وكنور وهيا. كتب السيناريو وصوّر ومنتج وأنتج الفيلم الرشيد مهدي (صاحب استديو الرشيد بعطبرة وقتها)، وأخرجه إبراهيم ملاسي. وبعدها جاءت أفلام المخرج جاد الله جبارة الروائية الطويلة (شروق، تاجوج، بركة الشيخ). ثم أعقب ذلك صمت طويل حيال الأفلام الروائية الطويلة استمر لعقود.
أمجد أبو العلا : التأسيس الثاني
ظهور أمجد أبو العلا وإخراجه لفيلمه الروائي الطويل الأول “ستموت في العشرين” عام 2019 كان العصا السحرية التي ما إن لوّح بها حتى تغير كل شيء، واستيقظ المشهد السينمائي السوداني فجأة من سبات عميق؛ نام طفلًا غريرًا واستيقظ راشدًا ناضجًا. المفارقة أنه بخطوة واحدة قفزت السينما السودانية نحو العالمية، وفاز الفيلم بجائزة “أسد المستقبل” في مهرجان البندقية السينمائي، كما حصد العديد من الجوائز الدولية الأخرى، وتم ترشيحه وقتها، رسميا ليمثل السودان في الأوسكار. بذلك بدأ التأسيس الثاني للسينما السودانية، ليس فقط من حيث انتهى الآخرون، بل من مسافات أشد خيالًا وأعمق استبصارًا. وسرعان ما طلع محمد كردفاني، الذي كان ثاني اثنين في محبة السينما هو وصاحبه أبو العلا، وأخرج فيلمه الروائي الطويل الأول أيضًا “وداعًا جوليا”، الذي عرض في مهرجان كان وفاز بجائزة الحرية، وحصد أكثر من خمسين جائزة في العديد من المهرجانات الدولية. بدا الأمر وكأن “ستموت في العشرين” قد نطق بالعبارة السحرية “افتح يا سمسم”، فانطلقت أفلام محمد العمدة وسوزانا ميرغني وإبراهيم عمر وغيرهم.
أثر الفراشة: رفرفة جناح صغير تصنع موجة كبيرة
يمكننا أن نستكشف طرفًا من هذه الموجة الكبيرة في لحظة إسلام مبارك الفارقة في السينما المصرية، وهي تقدم أداءً استثنائيًا في فيلم “ضي”، اشتمل على لحظات تقف بين تخوم التجريب التمثيلي والتجربة الشخصية. أداء يتطلب من الممثل شيئًا يتجاوز الموهبة: أن يلج داخل نفسه، يغرف منها ويتجاوزها في آن واحد، وبقدر كبير من الشجاعة الفكرية قبل النفسية، لا سيما حين يمثل بلهجة غير لهجته. نالت حينها النجمة السودانية إسلام مبارك جائزة أفضل ممثلة في مهرجاني بورسعيد وبغداد، ورأيناها مجددًا في “أشغال شقة”، وهي الآن تشترك في فيلم “أسد” الذي يعرض الان في موسم العيد للمخرج والسيناريست المبدع محمد دياب وبطولة النجم محمد رمضان، وقد انتهت مؤخرًا من تصوير دورها في فيلم “بنات فاتن” مع النجمة يسرا.
حدث شيء مشابه مع المخضرم محمود سراج، حيث انطلق في الدراما المصرية ويشارك هذه الأيام في فيلم “أسد”، الذي يشارك فيه أيضًا النجمان مصطفى شحاتة وإيمان يوسف. يتمتع مصطفى بمواصفات قد تجعله “جان” السينما السودانية القادم وربما العربية أيضًا، وقد أدى دوره في “أسد” بتماسك وبراعة وثبات نفسي ونضج فني واضح. وكذلك كانت إيمان يوسف موفقة ، رغم قصر دورها، في اجادتها لتكثيف طاقة العيون في التشخيص.
كل هذه المساهمات للنجوم السودانيين في السينما المصرية والعربية خرجت من فيلمي “ستموت في العشرين” و”وداعًا جوليا”، بعد أن لعبوا فيهما أدوارًا بطولية. خلافًا للرؤية والتكنيك ، يمكنك أن تجد في الفيلمين شيئًا من حرارة القلب يكلل الصورة، وهي طازجة وجديدة في مستويات عديدة ، والأهم انها مفعمة بزخم شعوري واسع ،مع طيف من عقلانية ما ، تكتنف محيطها الخارجي . وبالنتيجة تتجاوز اللقطة بتكوينها البصري والشعوري إطارها، لتمسك بتلابيب المشاهد وتسري فيه. لذلك كانت هذه الأعمال الأولى لمخرجيها شديدة التأثير على المشاهدين حول العالم وقوية الإلهام بدرجات متفاوتة لصانعي الأفلام الآخرين، حتى خارج الفضاء السوداني. وفي تقديري أن ذلك هو ما أهلهما للحصول على المركز العشرين مشتركًا بعد إدراجهما ضمن قائمة أعظم مائة فيلم عربي في التاريخ التي أعدّها المعهد العربي للفيلم والإعلام. هذا أمر جدير بالتأمل والاحتفاء والتقدير بما يحمله من فخر جماعي للسودانيين.
سر الصورة :
الصورة – أي صورة – في الأصل، هي مجلي الخلق الأول ، ثم إن سحر الحكاية يختبىءفي الصورة التى كلما احتشدت طبقاتها بمستويات متعددة من المعاني، ازدادت قدرتها على تجاوز جمودها الذاتي ومرت مرور السحاب لتتحول إلى كينونة نابضة، تنفث تكوينات لا نهائية من الحيوات. إن التحولات قدر أساسي في الصورة، تحدث لأنها تنشد الكمال؛ كمال الجمال، وهو أعز مطالب الحياة نفسها. هنا يكمن وجه كبير من وجوه عظمة السينما، لأنها بطريقة ما تقترح علينا إعادة اختراع الحياة، ولو على صعيد شخصي، ثم إنها لا تنفك تحدثنا عن الاحتمالات والتحولات.




