مقالات

خارج الصندوق

صرير القلم

د. معاوية عبيد: 

اعتاد الناس أن يستخدموا مصطلح ( التفكير خارج الصندوق ) للإشارة إلى الإبداع والابتكار والبحث عن حلول غير تقليدية للمشكلات، غير أنني أجد نفسي مضطرًا لاستخدام هذا المصطلح بمعنى مختلف تمامًا، لوصف فئة من المسؤولين الذين أصبحوا بالفعل (خارج الصندوق ) ولكن ليس بمعنى الإبداع، وإنما بمعنى الابتعاد عن هموم المواطنين وقضاياهم الأساسية،
ففي كل عام ومع اقتراب موسم الحج تتشكل البعثات والوفود ، ويبدأ السباق نحو المقاعد المخصصة للسفر، والملاحظ أن بعض الولايات تكاد تخلو من كبار مسؤوليها خلال هذه الفترة، حيث يتجه عدد كبير منهم للمشاركة في بعثات الحج، رغم أن مسؤولياتهم التنفيذية والرقابية والخدمية تقتضي وجودهم وسط مواطنيهم .
لا أحد يعترض على أداء فريضة الحج، فهي ركن من أركان الإسلام، ومن حق كل مسلم أن يؤديها متى ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل من الضروري أن تتحول بعثات الحج إلى وجهة لكبار المسؤولين التنفيذيين في وقت تعاني فيه الولايات من أزمات متراكمة ومشكلات خدمية واقتصادية وأمنية تحتاج إلى متابعة يومية وحلول عاجلة؟
إن المواطن الذي يواجه الجوع أو انعدام الخدمات أو تعثر المشروعات التنموية لا يهمه عدد أعضاء البعثة ولا أسماء المشاركين فيها، بقدر ما يهمه أن يجد مسؤولًا يتابع قضاياه ويعمل على حل مشكلاته. فالأولوية في مثل هذه الظروف يجب أن تكون لخدمة الناس ورعاية مصالحهم، لا للتوسع في الوفود والسفريات.
ومن المؤسف أن الأمر لا يقف أحيانًا عند حدود المسؤولين أنفسهم، بل يمتد ليشمل أعدادًا إضافية من المرافقين وأعضاء البعثات، مما يثير تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار وجدوى هذا التوسع في التمثيل الإداري.
إن الولايات التي تحتاج إلى إعادة إعمار، وإصلاح للبنية التحتية، ومعالجة لقضايا الفقر والنزوح والخدمات الأساسية، أولى بأن تجد مسؤوليها في مواقع العمل لا في قوائم السفر ، فالمواطن ينتظر منهم حلولًا عملية ومبادرات تنموية ومتابعة ميدانية، لا غيابًا طويلًا يضيف إلى معاناته مزيدًا من الإحباط.
المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، ومن يتولى أمر الناس مطالب بأن يجعل مصالحهم فوق مصالحه الشخصية، وأن يدرك أن نجاحه الحقيقي يقاس بما يحققه من إنجازات على أرض الواقع، لا بعدد الرحلات التي يشارك فيها أو الوفود التي ينضم إليها.
ولذلك، فإن ( الخروج من الصندوق ) الذي تحتاجه بلادنا اليوم ليس الابتعاد عن مواقع المسؤولية، وإنما الخروج من عقلية الامتيازات إلى ثقافة الخدمة العامة، ومن الاهتمام بالمظاهر إلى الاهتمام بالنتائج، ومن البحث عن المكاسب الشخصية إلى السعي لتحقيق مصالح المواطنين الذين وضعوا ثقتهم في مؤسسات الدولة،
عندها فقط يصبح الخروج من الصندوق فعلًا إيجابيًا يصنع التغيير، لا عنوانًا لغياب المسؤولين عن واجبهم في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إليهم أكبر من أي وقت مضى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى