في محبة المريخ أهمس في اذن حسين خوجلي: شاخور باهر.. لكن المريخ أعمق من طرفة!

وائل عبدالخالق مالك:
قرأت للأستاذ حسين خوجلي مقاله اللطيف الرشيق فضحكت ملء فمي على نادرة شاخور مع نميري ثم وضعت الكتابة جانباً وقلت في نفسي هذا رجل أمسك بأذيال الذاكرة فأفلت منه الذيل وبقي في يده الثوب. أو قل رأى من القمر ما يضحك وغاب عنه ما يبكي. وللأستاذ حسين خوجلي أن يأخذ هذه الكلماتِ نقداً أدبياً خالصاً كما يقدم الفطور الساخن لصاحب عزيز لا يراعى معه تكلف مع حفظي التام لمقامه الموسوعي في الإعلام والثقافة على حد سواء.
فشاخور — رحمه الله — لم يكن ظريفاً فحسب بل كان فيلسوفاً بلسان عامي، قرأَ حاضر السودان آنذاك وهو يدردش مع الرئيس نميري. وجوابه في ظني لم يكن نكتة بل كان حكمة مضغوطة رآها كل من عاش مع المريخ عمره وهي أن النادي هذا يختصر السودان انتصاراً وانكساراً ورجاء لا ينقطع. وجوابه لنميري لم يكن نكتة عابرة بل كان تشخيصاً دقيقاً لحالة الوطن وأنديته وكل مناحي الحياة حين تتحول إلى شريعة تحرم فيها الفرحة وتصادر الكؤوس. وهذا — يا عزيزي حسين خوجلي — هو الجوهر الذي أراك طرت فوقه ولم تحط.
وما أثار عجبي — وأنا المريخابي الذي يتابع القلعة الحمراء في كل كبيرة وصغيرة — أن الأستاذ حسين خوجلي أبدع في حكاية شاخور وأغفل أن للمريخ حكايات أعمق وأشعاراً أوجع تستحق أن تحمل بجوار تلك الطرفة. فالمريخ ليس نادياً فحسب بل هو — كما كتب محبوه — النادي الذي يعطي هذا الشعب معنى للعيش والانتصار. وهذه الجملة ليست شعاراً رياضياً بل هي رثاء مقنع ووعد معلق.
أَولم يقل فيه الشاعر والدبلوماسي صلاح أحمد إبراهيم طيب الله ثراه — شاعر السودان الكبير وعاشق الزعيم — حين احتفى بفوز المريخ بكأس مانديلا عام 1989 معتبراً إياه نصراً قومياً لا رياضياً فقط. محتشداً بالمجد والفرحة وصورة الأبطال الذين ألفوا المحافل وحملوا الكأس في أروع إطار؟ فالشاعر الذي كتب يا مريا وأقام الدنيا بإزميل فيدياس وخمرة باخوس وجد في انتصار المريخ ما يستحق الكلام الكبير فماذا أغفلت يا حسين خوجلي وأنت المفوه والملم بالأدب والثقافة؟
عندما فاز المريخ بكأس الكؤوس الأفريقية 1989 ـ كأس مانديلا ـ كانت تلك الليلة التي طار فيها الطائر الميمون من لاغوس إلى الخرطوم. لم يكن المريخ يومها يحمل كأساً فحسب بل كان يحمل روح أمة ظلت منذ بطولة إفريقيا 1970 تنتظر على رصيف الأمل دون أن يفتح الباب. تسعة عشر عاماً من الانتظار ثم جاء المريخ وقال ها أنا ذا. وهنا أوجه السؤال للأستاذ حسين خوجلي أي طرفة تضاهي هذا الصمت الطويل وذلك الصراخ الواحد؟
أما ما يجعلني أقول إن الأستاذ حسين خوجلي أغفل الثوب وأمسك بالذيل فهو أنه بكى على سودان الطلاقة والبشاشة الذي اغتالته الميليشيا وهو محق في كل حرف من ذلك البكاء. فما حدث للوطن وللرياضة السودانية في سنوات الحرب لم يكن مجرد حرب أو توقف دوري أو تأجيل بطولة بل كان انهياراً شبه كامل لمنظومة متكاملة بدأت بالبنية التحتية ولم تنته عند الإنسان نفسه. لكن المريخ — يا أستاذ حسين خوجلي — بدأت فكرة تكوينه عام 1903 من أبناء حي المسالمة وتحول اسمه إلى المريخ عام 1927 تيمناً بالكوكب الفضائي. كوكب سمي باسم إله الحرب عند الرومان وكوكب الأمل عند أهل السودان.
وللأستاذ حسين خوجلي أقول بكل المحبة والتقدير جملتك عن سودان الظرفاء الذي ذهب مع الريح تستحق أن نرد عليها لا بالبكاء بل بالحقيقة. وأنا أقول نعم بقي الظرفاء لكنهم انتقلوا من المقاهي إلى المنافي ومن المدرج إلى الشاشات الصغيرة يتابعون المريخ وهو يلعب في رواندا ويصنع مشروعه القادم في الغربة بينما وطنه يحترق. وهذه — إن شئت — طرفة أمر من كل طرائف شاخور. دعنا لا نرد على سخرية اقدارنا هذه بالبكاء بل بالمطارحة. ألا تعلم أن المريخ نفسه فاز ببطولة الدوري مرة دون هزيمة أو تعادل واحد في موسم 1971-1972، وهو إنجاز لم يتكرر حتى الآن وفاز على الهلال ثمانية مرات على التوالي في ديربي أم درمان؟ فريق هذا تاريخه لا ينتهي ببيت شعر من الحسرة بل يستدعي قصيدةً كاملة من الكبرياء.
فليكتب لنا الأستاذ حسين خوجلي — إن أراد المطارحة — عن تلك الليلة التي عاد فيها الكأس إلى الخرطوم، وعن الجماهير التي استقبلت اللاعبين من المطار إلى مقر النادي في أم درمان. ومنذ ذلك اليوم والقلعة الحمراء تعلِم السودانيين درساً واحداً لا يتغيّر هو أن هذا المريخ يشبه بلده تماماً. ينكسر ولا يكسر. يصمت طويلاً ثم يصرخ مرة واحدة فتهتز القارة.
أكتب وأشجنا يا حسين عن ما قاله صلاح أحمد إبراهيم حين رأى الكأس وحينما ربط بين هذا الإنجاز الرياضي العظيم وبين انتفاضة مارس وأبريل 1985 المجيدة معتبراً الفوز الرياضي امتداداً للانتصار القومي والوطني وقد صاغ ذلك في قصيدته الشهيرة نجم الانتفاضة:
نجم الانتفاضة
سجل للرياضة
أعظم انتصار
مريخ المحافل..
الفي المجد رافل
عيد بالنصر حافل..
في أروع إطار
أختم بما بدأت به فمقال الاستاذ حسين خوجلي لطيف وخفيف كنسيم الخريف في أم درمان. لكن سودان المريخ يستحق أكثر من نسيم. يستحق عاصفة من الكلام وكتاباً لم يكتَب بعد وقصيدة لم يجد شاعرها الوقت الكافي. فهل يكمل الأستاذ حسين خوجلي ما بدأه؟ نحن الصفوة في انتظار المطارحة في محراب الجمال الأحمر. فالمريخ يستحق ملحمة أدبية. وأنت — يا حسين خوجلي — أهل لها.



