مقالات

واشنطن تشهر سلاح القانون.. كيف يجب أن يقرأ السودان ما كتب له لا ما كتب عليه؟

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك: 

هناك محطات في السياسة الدولية لا تقرأ بالعناوين بل بما بين السطور. تصويت التاسع من يونيو 2026 داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي على قانون H.R. 1939 ثم تقديم مشروع قانون PEACE in Sudan في مجلس الشيوخ بعده بأيام يمثلان واحدة من هذه المحطات. فمن يقرأ هذين القانونين وهو يبحث عن فخ للسودان سيظل أسير القشرة. أما من يقرأهما بعيون الدولة السودانية الساعية إلى البقاء والانتصار فسيجد فيهما أدوات يمكن توظيفها لا أعباء تثقل بها.

أخطر ما أنجزه هذا التشريع ليس بنوده العقابية بحد ذاتها بل منطقه القانوني الضمني. فحين يفرق القانون بين القوات المسلحة السودانية باعتبارها مؤسسة دولة ومليشيا الدعم السريع المتمردة باعتبارها فاعلاً خارجاً عن إطار الدولة ومسؤولاً عن الإبادة الجماعية فإنه يرسي في الوعي القانوني الأمريكي والدولي تمييزاً جوهرياً لم يكن موجودًا بهذا الوضوح من قبل طيلة هذه الحرب. القانون يفرض عقوبات على قيادة مليشيا الدعم السريع المسؤولة عن القرارات التي أفضت إلى الفظائع والإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ويمتد ليطال حتى أفراد أسرة دقلو البالغين ما لم يدينوا صراحة هذه الجرائم ويتخذوا خطوات ملموسة لمقاومتها. هذا يعني أن واشنطن الآن تقر رسمياً بما طالما ادعته الدولة والحكومة السودانية وهو أن ما يجري حرب إبادة وليس نزاع مسلح داخلي أو أهلي.

غير أن القانون في بابه المتعلق باستهداف الداعمين الخارجيين يستدعي قراءة دقيقة لا تنزلق نحو الاستغراق في القلق. صحيح أن النص يشمل تحديد الدول الداعمة للقوات المسلحة السودانية أيضاً من خلال توفير الأسلحة والمعدات والموارد وصحيح أن قانون PEACE in Sudan المصاحب يلزم وزير الخارجية بتقديم تقارير عن كل الحكومات الأجنبية المتورطة في النزاع، إلا أن ثمة جداراً قانونياً صلباً يحمي داعمي القوات المسلحة السودانية لا ينبغي إغفاله. فالقوات المسلحة السودانية مؤسسة دولة شرعية معترف بها دولياً وتربطها بعدد من الدول علاقات تعاون عسكري ودفاع مشترك رسمية موثقة ومبرمة وفق أطر القانون الدولي. والتعاون العسكري بين دولتين ذواتي سيادة إطار قانوني مختلف كلياً عن دعم مليشيا خارجة عن سيطرة الدولة وترتكبالإبادة وتتسبب في المجاعة. وهذا الفارق ليس ترفاً أكاديمياً بل ضمانة عملية. فالضغط الأمريكي التشريعي على الداعمين الخارجيين سينصب بطبيعته على من يمدون مليشيا الدعم السريع لا على من يتعاملون مع الجيش السوداني في إطار اتفاقيات دولة إلى دولة. الإمارات ليست في وضع روسيا أو الصين في هذه المعادلة وكل من يمول أو يدعم مليشيا الدعم السريع ليس في وضع من يبرم اتفاقية دفاع مع الخرطوم.

أهم ما يتضمنه قانون PEACE in Sudan هو توسيعه لصلاحيات العقوبات التي تطال كل من يتاجر في الموارد الطبيعية التي يهربها تجار الحرب. ويسمي الذهب والصمغ العربي صراحة. وهذا البند يمسّ عصب الاقتصاد الحربي لمليشيا الدعم السريع التي تعيش على نهب ثروات دارفور وتصديرها عبر قنوات غير رسمية مروراً بأبوظبي وإنجمينا. تجميد هذه الشرايين يعيد إلى الدولة السودانية سيطرتها على مواردها الاستراتيجية وهو هدف تكافح الحكومة السودانية من أجله منذ سنوات دون أن تجد رصيداً تشريعياً أمريكياً داعماً له بهذا الوضوح. وللدلالة على ثقل هذاةالقانون فهو يلزم بتقييم 20 مجموعة مسلحة لتحديد ما إذا كانت تستوفي معايير التصنيف كمنظمات إرهابية أم لا. من بينها مجموعة فاغنر الروسية والذئاب الصحراوية الكولومبية التي باتت وثيقة الصلة بالميدان السوداني. وهذا يعني أن واشنطن تدخل المرتزقة الأجانب في دائرة الاستهداف بشكل غير مسبوق.

بيت القصيد في كل هذا الأمر هو كيفية تعامل قيادة الدولة في مجلس السيادة والحكومة السودانية مع هذه المستجدات. لا يكفي أن تطبق سياسة الصمت والمشاهدة أو أن يعلن السودان ترحيبه بهذه التشريعات عبر بيانات الناطق الرسمي. الاستثمار الحقيقي في هذه اللحظة يتطلب من القيادة السودانية خطوات محددة وعاجلة على ثلاثة مستويات:
على المستوى الدبلوماسي ينبغي لمجلس السيادة والحكومة تشكيل لجنة قانونية ودبلوماسية مشتركة تتابع مسار هذين القانونين في الكونغرس بشكل يومي وتنسق مع المكاتب القانونية المتخصصة في واشنطن لرفع مذكرات ترفد العملية التشريعية بأدلة وتوثيقات الجرائم الميدانية. الخرطوم يجب أن تكون صوتاً حاضراً في الغرف التشريعية الأمريكية لا متلقياً صامتاً لنتائجها.
على المستوى القانوني الدولي تمثل هذه التشريعات ذخيرة دسمة لمسار الملاحقة الجنائية الدولية. ينبغي للحكومة السودانية توظيف الاعتراف الأمريكي الرسمي بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب في ملفاتها أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحاكم العدل الدولية وربط هذا الاعتراف بطلبات إصدار مذكرات اعتقال أوسع نطاقاً ضد قادة مليشيا الدعم السريع ووقف تمويلهم من الخارج.
على المستوى الاستراتيجي الداخلي لا ينبغي قراءة شمول القوات المسلحة في بنود المساءلة على أنه تهديد. بل العكس تماماً فالقيادة العسكرية التي تبادر إلى الشفافية وتثبت التزامها بالقانون الإنساني الدولي في تعاملها مع المدنيين ستستحيل عملياً خارج نطاق الاستهداف وستخرج من هذه المرحلة بشرعية دولية مضاعفة. المطلوب مبادرات استباقية لا انتظار تهم. التحقيق الجاد في انتهاكات الجانب السوداني وإظهار الإرادة في المساءلة هو أقصر طريق لتعزيز الفارق القانوني بين الدولة والمليشيا في الوعي الغربي.

التاريخ يعلمنا أن الحروب المعاصرة لا تحسم فقط في الميدان والخنادق. حرب يوغوسلافيا انتهت حين توافر الإرادة الدولية. ورواندا لم تتعاف إلا حين استوعب المجتمع الدولي فداحة صمته المبكر. واليوم يتيح هذا التحول التشريعي الأمريكي للسودان أن يكون طرفاً فاعلاً في صياغة مآل صراعه لا مجرد موضوع تتجاذبه القوى الدولية. الحكومة السودانية ومجلس السيادة أمام اختبار حقيقي هو هل يملكان من الرؤية الاستراتيجية والأدوات الدبلوماسية ما يكفي لتحويل قاعات الكونغرس إلى ساحة انتصار إضافية؟ الجواب لن يأتي من البيانات الرسمية بل من قدرة الدولة السودانية على الحضور القانوني والدبلوماسي بنفس الحضور الذي تبديه قواتها المسلحة في الميدان.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى