“الوافي” يوثق ذاكرة المسرح السوداني.. إشادة نقدية بجهد د.يوسف عيدابي في حفظ التراث المسرحي

احتضن النادي الثقافي العربي في الشارقة جلسة نقدية خُصصت لمناقشة كتاب «الوافي في تاريخ المسرح في السودان» للدكتور يوسف عيدابي، والصادر عن الهيئة العربية للمسرح، بمشاركة الناقدين المسرحيين مصعب الصاوي وعصام أبو القاسم، وبحضور المؤلف وعدد من المسرحيين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وشكلت الجلسة مناسبة للوقوف عند القيمة المعرفية والتوثيقية للكتاب، الذي يعد من أوسع المراجع العربية التي تناولت تاريخ المسرح السوداني، حيث يجمع بين التأريخ والتحليل النقدي، ويقدم صورة شاملة لمسيرة المسرح السوداني وتحولاته الفكرية والجمالية والاجتماعية.

مصعب الصاوي: موسوعة تجمع بين التوثيق التاريخي والرؤية النقدية
أكد الناقد المسرحي مصعب الصاوي أن كتاب «الوافي» لا يمكن النظر إليه بوصفه كتاباً توثيقياً عادياً، بل هو مشروع موسوعي متكامل يتناول المسرح السوداني بوصفه ظاهرة ثقافية واجتماعية وفنية ممتدة عبر الزمن.
وأوضح أن إعداد عمل بهذا الحجم يتطلب معرفة دقيقة بمختلف مراحل المسرح السوداني، وتياراته الفكرية، وتحولاته الجمالية، وأبرز رموزه ومؤسساته، وهو ما توفر للدكتور يوسف عيدابي الذي لم يكن مجرد باحث يوثق التجربة من الخارج، بل أحد الفاعلين الأساسيين في صناعة هذه التجربة والمشاركين في تطويرها على امتداد عقود.
وأشار الصاوي إلى أن عيدابي أسهم في بلورة تيار «الغابة والصحراء» المسرحي، كما ارتبط اسمه بالدعوة إلى مسرح يعكس التعدد الثقافي والإثني في السودان ويمنح مختلف مكونات المجتمع حقها في التعبير والتمثيل، الأمر الذي انعكس بوضوح على رؤيته للتاريخ المسرحي في الكتاب.
ورأى أن من أبرز نقاط قوة «الوافي» منهجيته التي تجمع بين التراث والحداثة؛ فهو يستفيد من تقاليد المصنفات التراثية الكبرى في سعة المادة وشمولها وحرصها على جمع الروايات والمعلومات، لكنه في الوقت نفسه يوظف أدوات البحث العلمي الحديثة ومناهج النقد المعاصر في قراءة الوقائع وتحليلها.
وأضاف أن الكتاب لا يقدم تاريخ المسرح السوداني بوصفه تسلسلاً زمنياً للأحداث فقط، بل يربط هذا التاريخ بالتحولات الاجتماعية والفكرية التي عاشها المجتمع السوداني، متتبعاً تأثير الأفكار السائدة والقيم الاجتماعية ومواقف القبول والرفض التي أحاطت بالممارسة المسرحية في مراحل مختلفة.
كما توقف عند الجهد العلمي المبذول في التحقق من المصادر ومقارنتها ومراجعتها، معتبراً أن المؤلف لم يكتف بجمع المادة، بل أخضعها للفحص والنقد والموازنة، ما منح الكتاب مصداقية أكاديمية عالية وجعله مرجعاً أساسياً للباحثين.
وفي حديثه عن بنية الكتاب، أوضح الصاوي أن القسم الأول يتناول بدايات المسرح الوافد إلى السودان خلال العقود الأولى من القرن العشرين، وما رافقها من عمليات الإعداد والتكييف والسودنة للنصوص المسرحية العربية والأجنبية، إضافة إلى رصد نشاط الجاليات ودور العرض التي أسهمت في تقديم المسرح آنذاك.
أما القسم الثاني فيتتبع نشاط الفرق المسرحية والمؤسسات التعليمية ودورها في إعداد الكوادر الفنية، فيما يوثق القسم الثالث تجربة المسرح القومي السوداني ومواسمه الفنية والعاملين فيه، إلى جانب تخصيص فصول واسعة للرواد الذين أسهموا في بناء الحركة المسرحية وتطويرها.

عصام أبو القاسم: «الوافي» المرجع الأهم للمسرح السوداني المعاصر
من جانبه، رأى الناقد المسرحي عصام أبو القاسم أن أهمية الكتاب تنبع من نجاحه في جمع شتات المعرفة المسرحية السودانية التي ظلت موزعة بين كتب ودراسات ومقالات وأرشيفات صحفية متفرقة، وتحويلها إلى مرجع موحد يتيح للباحثين والدارسين الاطلاع على تاريخ المسرح السوداني ضمن إطار علمي متكامل.
وأكد أن الكتاب يمثل اليوم المرجع الأكثر شمولاً للمسرح السوداني، ليس فقط بسبب حجم المادة التي يضمها، بل أيضاً بسبب الرؤية المنهجية التي نظمت هذه المادة وربطت بين عناصرها المختلفة.
وأشار أبو القاسم إلى أن صدور الكتاب عن الهيئة العربية للمسرح يمنحه بعداً عربياً مهماً، إذ يتيح وصوله إلى جمهور واسع من الباحثين والمهتمين في مختلف الدول العربية، وهو ما من شأنه أن يعزز حضور المسرح السوداني في الدراسات العربية المقارنة، ويبرز ما يجمعه من قواسم فنية وتاريخية مع التجارب المسرحية الأخرى.
وأوضح أن الكتاب يمثل حصيلة جهود أجيال كاملة من المسرحيين والباحثين السودانيين، حيث استوعب ما تراكم من معارف وخبرات على المستويات النظرية والتطبيقية والتنظيمية، الأمر الذي جعله أشبه بخزانة معرفية تحفظ ذاكرة المسرح السوداني وتضعها في متناول الدارسين.
كما أشاد أبو القاسم بالجهد التوثيقي الكبير الذي بذله الدكتور يوسف عيدابي على مدى سنوات طويلة، مبيناً أنه أدرك مبكراً أهمية عدد كبير من المصادر التي كانت مهددة بالضياع أو النسيان، فحرص على جمعها وحفظها وإعادة قراءتها.
وأشار إلى أن المؤلف تعامل مع مؤلفات ودراسات باحثين ورواد مثل جعفر النصيري، وخالد المبارك، وعز الدين هلالي، وآمال الفاضل، ومجذوب عيدروس، إلى جانب أرشيفات صحفية وثقافية مهمة، ومنها مجلتا «النهضة» و«الفجر» وصحافة السبعينيات والثمانينيات، وهي مواد شكلت الأساس الذي انطلق منه لبناء هذا المرجع الكبير.
واعتبر أن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في جمع هذه الوثائق، بل في إخضاعها للتحليل والتمحيص وإعادة تقديمها ضمن رؤية نقدية واعية، تكشف عن حس تاريخي عالٍ والتزام معرفي راسخ تجاه صون الذاكرة المسرحية السودانية.

يوسف عيدابي.. مؤرخ المسرح السوداني وحارس ذاكرته
تكشف المداخلات النقدية التي شهدتها الجلسة أن كتاب «الوافي في تاريخ المسرح في السودان» يتجاوز حدود التأريخ التقليدي ليصبح مشروعاً ثقافياً متكاملاً لحفظ الذاكرة المسرحية السودانية. فالدكتور يوسف عيدابي لا يوثق الأحداث والعروض والأسماء فحسب، بل يعمل على إعادة بناء السردية التاريخية للمسرح السوداني، وربطها بسياقاتها الفكرية والاجتماعية والثقافية.
ومن هنا تبرز أهمية هذا العمل بوصفه مرجعاً علمياً ومصدراً أساسياً للباحثين والدارسين، وواحداً من أهم المشاريع العربية المعنية بحفظ التراث المسرحي وتوثيق منجزه للأجيال المقبلة، بما يضمن استمرار حضور المسرح السوداني في المشهد الثقافي العربي ويصون ذاكرته من التشتت والغياب.




