مقالات

حين تتكلم المعسكرات.. يصمت دعاة الحياد

بقلم/ رانيا عمر: 

في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران 2026، نشرت منظمة “لايت هاوس ريبورتس” الهولندية، بالشراكة مع “إيفيدنت ميديا” و**”مرصد حرب السودان”**، تحقيقًا استقصائيًا يعيد فتح ملف الحرب التي تخوضها الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية ضد مليشيا الدعم السريع، من زاوية تتجاوز حدود الداخل إلى فضاءات إقليمية أكثر تعقيدًا. هذا التحقيق لم يُبنَ على مصدر واحد، بل على شهادات ميدانية، وبيانات مفتوحة المصدر، وتحليل صور أقمار صناعية، ومقاطع موثقة، بما يجعله منظومة أدلة قابلة للفحص لا مجرد سرد سياسي.

ما يلفت الانتباه أن التحقيق يبدأ من خارج ساحة القتال داخل السودان. إذ يشير إلى تحديد أربعة معسكرات تدريب في شرق ليبيا، من بينها موقع يبعد نحو عشرين كيلومترًا عن مدينة بنغازي. هذه المعلومة، في سياق حرب ممتدة بهذا الحجم، لا تُقرأ كتفصيل جغرافي، بل كإشارة إلى بنية تدريب عسكرية خارج الحدود يُشتبه في اتصالها المباشر بمسرح العمليات داخل السودان.

داخل هذه المعسكرات، ووفق شهادة منشق عن مليشيا الدعم السريع، جرى تدريب مقاتلين على تشغيل الطائرات المسيّرة، ومدافع الدوشكا، وقاذفات الصواريخ المتعددة، وقذائف الـ(RPG). وهي منظومة تسليح لا ترتبط بعمليات فردية، بل ببناء قدرات قتالية منظمة قادرة على تغيير طبيعة المواجهة في الميدان.

وينتقل التحقيق إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق بالمدربين، إذ ينقل عن الشاهد أنهم لم يكونوا سودانيين ولا ليبيين، بل يتحدثون الإنجليزية، مع ترجيح أنهم مرتزقة من أصول كولومبية، قبل أن يتولى عناصر ليبيون لاحقًا مهمة التدريب. هذه الجزئية، بصرف النظر عن الجدل حولها، تظل عنصرًا يستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا لا الاكتفاء بالنفي أو التجاهل.

لكن البعد الأخطر لا يكمن في التدريب وحده، بل في ما يصفه التحقيق كبنية إمداد. إذ يخلص إلى أن جنوب ليبيا تحول إلى عقدة لوجستية رئيسية، تصل عبرها المعدات العسكرية من ميناء بنغازي أو عبر رحلات شحن جوي إلى قواعد داخلية، قبل أن تُنقل برًا نحو الحدود السودانية. هذا المسار لا يعكس حركة عابرة، بل شبكة إمداد مستمرة تعيد إنتاج الحرب وتمنحها القدرة على الاستمرار.

كما يعتمد التحقيق على تحليل آلاف المقاطع المصورة على منصات التواصل الاجتماعي، ومقارنتها ببيانات الأقمار الصناعية، ليشير إلى رصد تحركات مرتبطة بمليشيا الدعم السريع داخل الأراضي الليبية منذ مراحل مبكرة من الحرب، إضافة إلى تتبع مركبات من نوع “تويوتا لاند كروزر 79″، وهي مركبات وردت في تقارير أممية مرتبطة بسلاسل نقل السلاح في النزاعات المسلحة.

هذه المنهجية—التي تجمع بين التوثيق الميداني والتحليل الرقمي والجغرافي—تنقل الملف من مستوى السجال السياسي إلى مستوى يستدعي فحصًا مؤسسيًا مستقلًا، لأن التعامل معه لا يمكن أن يُختزل في النفي أو القبول، بل في مسار تحقيق دولي مستقل يخضع كل معطى فيه لمعيار الدليل.

ومن الطبيعي أن تنفي الجهات التي وردت أسماؤها ما نُسب إليها، وقد أورد التحقيق تلك الردود. غير أن النفي لا يُغلق الأسئلة، بل يعيد فتحها بصورة أكثر إلحاحًا، خاصة حين يتعلق الأمر ببنية حرب ممتدة تتغذى عبر أكثر من ساحة تشغيل.

السؤال هنا لم يعد يتعلق بتفاصيل متفرقة، بل بالمنطق العام للحرب: كيف تستمر حرب بهذا الحجم وهذا التعقيد دون انقطاع في مصادر تغذيتها؟ وكيف تتوزع عناصر قوتها بين الداخل والخارج بهذا الاتساق؟

ما يطرحه التحقيق في جوهره أن ما يجري لا يمكن اختزاله داخل حدود السودان وحدها، لأن الحرب نفسها تُدار عبر شبكة أوسع من الإسناد والإمداد، تعيد تعريف معنى ساحة القتال وتوسّع حدودها خارج الجغرافيا التقليدية.

لكن عند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الحديث عن الوقائع وحدها كافيًا، بل يفرض نفسه سؤال آخر يتجاوز التوصيف إلى الموقف: ومن الذي يربح من استمرار وطن كامل في دائرة الدم؟

هذه ليست أسئلة سياسية فقط، بل أسئلة أخلاقية أيضًا. فكل شحنة سلاح تعبر الحدود تعني مدرسة لن تُفتح، ومستشفى سيتوقف، وأسرة جديدة ستنضم إلى قوافل النزوح، وطفلًا آخر سيكبر وهو لا يعرف من وطنه سوى أصوات الانفجارات.

إن أخطر ما في الحروب الحديثة أنها لم تعد تُدار بالجيوش وحدها، بل بشبكات معقدة من التمويل واللوجستيات والوسطاء والمرتزقة والإنكار. ولهذا فإن كشف هذه الشبكات لا يقل أهمية عن وقف إطلاق النار نفسه، لأن السلام الذي يتجاهل منابع الحرب ليس سوى هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

ويبقى السودان، رغم كل هذا الخراب، صاحب الحق في الدفاع عن دولته وسيادته ووحدة أراضيه، وصاحب الحق في أن يطالب بتحقيق دولي مستقل في كل ما أثير، وأن تُحاسب أي جهة يثبت تورطها، أيًا كان موقعها أو نفوذها. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في المحافل، وإنما حق يُصان بالفعل، ويُحمى بالقانون، وتدعمه إرادة المجتمع الدولي إن كان جادًا في حماية الأمن والاستقرار.

وفي النهاية، قد يختلف الناس حول الروايات، لكنهم لا يستطيعون الاختلاف حول حقيقة واحدة: لا يمكن بناء سلام داخل السودان بينما تُصنع أدوات الحرب خارجه.

فالحروب لا تبدأ عند أول طلقة… بل عند أول معسكر يُقام في الظل. ولا يموت الوطن يوم تُقصف مدنه… بل يوم يصبح العدوان عليه مشروعًا عابرًا للحدود يجد من يرعاه، ومن يموله، ومن ينكر وجوده في الوقت نفسه.

وإذا كانت كل هذه الاتهامات غير صحيحة، فلماذا تتكاثر الأدلة؟ وإذا كانت صحيحة، فكم من الدماء كان يمكن إنقاذها لو تحرك العالم قبل أن تتحول الحقيقة إلى مقابر مفتوحة؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى