الشرك الكبير وعبقرية قادة الجيش في التفكير

محمد بابكر:
لطالما اقترن اسم الجندي السوداني في المراجع التاريخية والعسكرية بصفات الشجاعة النادرة والصلابة القتالية التي شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء. فأن القراءة المتأنية للمشهد العسكري السوداني وتحديدا في (معركة الكرامة) تكشف أننا أمام ظاهرة تتجاوز حدود الشجاعة الفردية لتصل إلى (عبقرية تكتيكية) ضاربة في القدم استطاعت أن تضع كبار المخططين العسكريين في العالم بما في ذلك دوائر الاستخبارات الأمريكية و الإسرائيلية) في حالة من الذهول والارتباك.
إن العبقرية العسكرية السودانية ليست وليدة اللحظة بل هي إرث متجذر يمتد من ملاحم (مملكة كوش) القديمة التي امتلكت مهارات حرب استثنائية وصولا إلى الحوادث التاريخية التي شهدت إبادة جيوش غازية بالكامل مثل واقعة صحراء العتمور التي لا تزال أسرارها التكتيكية محط دراسة ودهشة.
هذا الإرث التراكمي في فنون الخداع والحرب هو ما يشكل اليوم (العقيدة القتالية) للجيش السوداني التي تعتمد على دههاء فطري وقدرة فائقة على استباق الخصم بخطوات مهما كان تطوره و عتاده.
في معركة الكرامة واجه الجيش السوداني شبكة معقدة من التخطيط الميداني المدعوم بخبرات عسكرية دولية وتقنيات مراقبة متطورة. ومع ذلك وقف العالم عاجزا أمام (البرود التكتيكي ) للقادة السودانيين.
لقد أثبتت المعركة أن عقلية القائد السوداني لا تعمل وفق النظريات العسكرية الكلاسيكية التي تُدرس في الأكاديميات الغربية بل تنبع من خطط و تكتيكات عملياتية موروثة جينيا تمثل قمة الدهاء و التخطيط. و لعل ادل على ذلك العمليات العسكرية الجارية الان و التي يمكن تسميتها بالشرك او الفخ الكبير الذي عجزت غرف العمليات للجنجويد التي كما اشرنا مكونة من كفاءات العالم العسكريين عجزت هذه القيادات عن تخيل او فهم هذا الشرك إلا بعد أن بدأ في الإطباق على مليشياتهم. و عندما احسوا بانهم في خطر عظيم و في فخ لا فكاك منه نتج عن ذلك الاستعانة بالأمم المتحدة للخروج منه.
ويمكن تلخيص هذا الشرك التكتيكي العبقري في ثلاث ركائز استراتيجية مترابطة، و التي بدأت بالركيزة الاولى، و هي تجميع القوات المسلحة و القوات الداعمة لها في العاصمة. حيث لم يكن ذلك التجميع للقوات المسلحة السودانية و القوات المساندة لها في العاصمة مجرد تمركز دفاعي بل كان أحد ازرع الشرك الكبير في حين انها تبدو للعدو أو يفهمها كنوع من الانسحاب أو الانكفاء ربما بسبب قلة في الزخائر او المؤونة العسكرية، و ايضا مثّل هذا التجمع لغطاً و حيرة لعامة الشعب السوداني الذي في نظرهم لم يكن يمثل إلا شرارة احتكاك بين هذه القوات لكنها كانت في الواقع عملية إعادة ترتيب للقوات لتشكيل احد طرفي كماشة كبيرة يصعب تخيلها وذلك لبعد المسافة بين طرفي الكماشة او الشرك اللذين يحيطان بالعدو مما جعل القوى المتربصة تتوغل داخل (شرك) والذي لم تدرك كنه إلا بعد فوات الأوان.
الركيزة الثانية هي استخدام قادة الجيش لمدينة الأبيض كطعم لقوات العدو لتشجعها على التوغل داخل الشرك الكبير شجعهم على ذلك سحب القوات لداخل العاصمة حيث مثل فرصة كبيرة لحصار الأبيض بغرض انتزاعها من الجيش.و بنفس الدهاء و لكي يكون الطعم مغريا لم تحرك قيادة الجيش اي قوات عسكرية لفك حصار مدينة الأبيض رغم الضغط الشعبي الرهيب للجيش و اتهامهم بالخيانة و التخلي عن الابيض إلا أن هذا كما اسلفنا لا يستثير هولاء القادة الأذكياء الذين يمتازون ببرود و رباطة جأش لا يمكن تخيلها و كذلك لانهم يعرفون ما يفعلون و واثقون من نصر الله لهم حيث انهم استدرجوا العدو لمساحات مكشوفة أمام مدينة جدة الأبيض ب65كيلومترا لا غابات و لا جبال تحميهم في تلك المساحة من طيران الجيش و مسيراته متى ما اقتربوا من نقطة تشكل خطر للمدينة و في نفس الوقت هم ليسوا بحاجة إلى تحريك اي قوات لفك حصارها و هذا هو الدهاء بعينه حيث ما لبث العدو ان تجمع وزاد في عدده و عتاده و لا يدري هو و لا قادته انهم يتعمقون اكثر و اكثر في شرك لم يصنع طرفه الثاني بعد.
و اما الركيزة الثالثة و التي تمثل زراع الكماشة الخارجي البعيد جدا عن الزراع الاول الذي اشرنا اليه اعلاه ألا و هو تحريك القوات المشتركة و نشرها انطلاقا من الحدود الغربية مرورا بعمق العدو و حواضنه وهي الزراع الثاني للكماشة. و هذا الزراع الاخير يمثل قمة الدهاء التخطيطي لقادتنا العظماء حيث ان الزراع الثاني الخارجي للشرك لم يشكل إلا بعد التاكد من نجاح الطعم و دخول الفريسة إلى قلب شرك أم زريدو الكبير و كان توخي عدم الاستعجال حتى لا يكشف العدو الخطة.
و لسهولة تكوين هذا الزراع من قوات متحركة جوالة وضعت مع الحدود في نقطة تمثل عنصر مفاجأة لعدو لا يمكنه تصور مهاجمته من مناطق يعتبرها مناطق سيطرته و كذلك لقطع امداد العدو و منع فراره و فوق ذلك تم اختيارها بعناية حيث انها قوات امتازت بالتخصصية في اصطياد العدو و بث الرعب فيه( المشتركة سم الجنجويد) و لكي يكون لهم دور السبق في تحرير ارضهم و فش غبينة اهلنا و اهلهم.
و عندما ادركت غرفة التحكم و السيطرة العملياتية للعدو انهم احيط بمليشياتهم في اكبر عملية التفاف يشهدها التاريخ بدأوا في ارسال تقارير الاستغاثة فكان ذلك الاجتماع الطاريء الذي عقدته الامم المتحدة بشأن السودان لعلهم يوقفون هذه المحرقة إلا انهم فوجئوا بدخولهم في شرك الحارث و صحبه بمتابعة لصيقة و اشراف من الكاهن شخصيا.
حق لك يا سوداني و يا مسلم ان تفخر بهذا الجيش الكوشي الذي لا يضارع جنده في البسالة و لا قادته في الدهاء و التخطيط الذي تغلب على عظماء و كبار القادة العسكريين الذين تم اختيارهم بعناية و من أكبر دول العالم قوة وعتادا فلم تغنهم تقنياتهم التي تتنبأ بحركة الجيش السوداني حتى قبل حدوثها امام حنكة و دهاء و عبقرية هؤلاء القادة احفاد سادة العالم.
كل ما تم في حرب الكرامة هذه، لا اقول سيدرس في الكليات و المعاهد الحربية العالمية و لكن في الواقع قد بدأ يدرس فعلا و ان عادوا عاد جيشنا.
و كما يقال قفل و احتفل.
تنضموا فوق ناس الجيش؟



