عاطف السيد يكتب: رسالةٌ عاجلةٌ في بريد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة (2)

أرض الصمود والتضحيات.. أنقذت كل السودان وأصبحت تبحث عن منقذ
الشجرة تموت عطشاً.. والصمت فقط مساهمة والي الخرطوم لحل الأزمة
العطش والإهمال وانعدام الخدمات تهدد مشروع العودة الطوعية
مواطن الشجرة دفع فاتورة غالية لصمودها وعاد وسط الدمار والأنقاض ليسهم في مرحلة البناء وإعادة الإعمار
بقلم/ عاطف السيد:
لم تكن الشجرة يومًا مجرد حي من أحياء الخرطوم، بل كانت عنوانًا للصمود ورمزًا للتضحيات، وسطّر أهلها مع القوات المسلحة صفحات مُضيئة في معركة الكرامة، حتى أصبحت واحدةً من أهم المناطق التي أسهمت في إفشال مخطط إسقاط الدولة ونشر الفوضى في السودان. واليوم، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في هذه المنطقة، يجد المواطن نفسه في مواجهة معركة أخرى لا تقل قسوةً، إنّها معركة العطش.
كنا نظن أن الصرخة التي أطلقناها باسم أهل الشجرة، وهم يواجهون أزمة مياه خانقة، ستكون كافية لتحريك المسؤولين، وعلى رأسهم والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، ليتحرك بصورة عاجلة ويبحث عن حلول عملية لهذه الكارثة الإنسانية. كنا نعتقد أنّ الوفاء لمن قدموا التضحيات سيكون حاضرًا، وأن من وقفوا سدًا منيعًا دفاعًا عن السودان لن يُتركوا يواجهون العطش والإهمال، لكن المؤسف أن الصمت ظل هو العنوان الأبرز، بينما تتفاقم الأزمة يومًا بعد يوم.
إنّ أكثر ما يثير الدهشة أنّ هذه المعاناة تحدث في منطقة تحتضن أحد أهم محطات تنقية وضخ المياه المطلة على النيل، غير أن المحطة لا تعمل بالكفاءة المطلوبة بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيلها. وبين وفرة المياه في النيل وغياب الوقود، يقف المواطن حائرًا يبحث عن قطرة ماء صالحة للشرب، في مشهد لا يليق بمدينة تقع على ضفاف أحد أكبر الأنهار في العالم.
لقد اختار والي الخرطوم، حتى هذه اللحظة، موقف المتفرج تجاه أزمة مياه الشجرة والحماداب، رغم الاستغاثات المتكررة والنداءات المتواصلة من المواطنين. وهو موقف لا يتسق مع ما عُرف عنه سابقًا من اهتمام بالمناطق المحررة وسعيه لإعادة الخدمات إليها وتشجيع المواطنين على العودة إلى منازلهم بعد سنوات النزوح.
وتزداد خطورة الأزمة في هذا التوقيت تحديدًا، إذ تشهد الشجرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد العائدين ضمن برنامج العودة الطوعية، بعد أن نجحت الدولة في بث رسائل الطمأنينة واستعادة الأمن في المنطقة. غير أن المواطن الذي يعود ليجد نفسه عاجزًا عن الحصول على أبسط مقومات الحياة، وفي مقدمتها مياه الشرب، لن يكون قادرًا على تشجيع غيره على العودة، بل قد تتحوّل هذه المعاناة إلى أكبر مهدد لمشروع العودة الطوعية وإعادة الإعمار الذي تعول عليه الدولة كثيرًا.
إنّ توفير المياه ليس رفاهية، بل هو حق أصيل، وأساس تقوم عليه الحياة. فلا يمكن الحديث عن الاستقرار، ولا عن البناء، ولا عن التنمية، بينما يصطف المواطنون بالساعات بحثًا عن الماء، ويقضون أيامهم في رحلة شاقة لتأمين احتياجات أسرهم من هذه النعمة الأساسية.
إن استمرار الصمت الرسمي تجاه هذه الأزمة يضع علامات استفهام كبيرة حول دور حكومة ولاية الخرطوم وهيئة مياه الولاية، ويستوجب تحركًا عاجلًا قبل أن تتفاقم الأوضاع أكثر. ومن هنا نرفع هذا النداء إلى السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وكلنا ثقة بأنه لن يتجاهل معاناة منطقة كانت شريكًا أصيلًا في معركة الكرامة، وقدمت من التضحيات ما يجعلها جديرة بكل اهتمام ورعاية.
ندرك تمامًا أن الدولة خرجت من حرب استنزفت إمكاناتها، وأن توفير احتياجات القوات المسلحة والمقاتلين تطلب موارد ضخمة، ولم يكن يومًا مطلب أهل الشجرة أن تتحمّل الدولة فوق طاقتها. لكن ما يطلبونه اليوم ليس مشروعًا استثماريًا ضخمًا ولا خدمات ترفيهية، وإنما توفير المياه، أساس الحياة، حتى يتمكنوا من العيش بكرامة داخل منازلهم التي عادوا إليها وسط الدمار والأنقاض، حاملين الأمل في أن تبدأ مرحلة البناء وإعادة الإعمار.
لقد دفعت الشجرة ثمنًا باهظًا لصمودها، ولا يجوز أن يكون جزاؤها بعد كل تلك التضحيات هو العطش والإهمال. فالوفاء الحقيقي لا يكون بالكلمات، وإنما بالاستجابة السريعة لمعاناة المواطنين، وإنقاذ منطقة أنقذت السودان، قبل أن يتحوّل العطش فيها إلى مأساة أكبر يدفع ثمنها الأبرياء.




