“الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية”.. عام من كسر العزلة وتأسيس المستقبل”

بقلم / محمد بابكر:
في لحظة تاريخية فارقة تداعت فيها أركان الدولة تحت وطأة الحرب وفي أحلك الظروف التي مر بها السودان في تاريخه الحديث تولى الأستاذ معتصم أحمد صالح قيادة وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية.
لم يكن في تلك المرحلة وقتا للتنظير أو الترف الإداري بل كانت اختبارا حقيقيا للإرادة فإما الاستسلام لواقع الأزمة والانكفاء على الذات أو امتلاك الشجاعة لإعادة البناء من تحت الركام.
وبمرور عام على ذلك التكليف نجد أنفسنا أمام حصاد مؤسسي مذهل لم يكتفِ بإدارة الملفات اليومية والمهام الروتينية بل وضع حجر الأساس لدولة المستقبل مستلهما قناعة راسخة بأن الإنسان السوداني هو الثروة الحقيقية التي يجب الاستثمار فيها لإعادة بناء الوطن.
من (المقعد المكتبي) إلى (الحذاء الميداني)
لقد كانت هذه المقولة الذهبية هي الرسالة الأولى التي بعثتها الوزارة منذ اليوم الأول و هي أن القيادة في زمن الحرب لا تمارس من خلف المكاتب الوثيرة في العواصم بل تمارس من وسط الميدان حيث يئن المواطن وتتعالى نداءات الحاجة.
لقد اتخذ الأستاذ معتصم أحمد صالح قرارا واعيا بتبني نهج (الحذاء الميداني) حيث تحولت الوزارة من هيكل إداري جامد إلى خلية نحل تعمل في عمق الميدان.
شملت الزيارات الميدانية المكثفة معظم ولايات السودان حيث لم تكتفِ الوزارة بزيارة واحدة بل تكررت الزيارات لولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض والنيل الأزرق والشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر وشمال كردفان وكسلا وغيرها. لم تكن هذه الجولات بروتوكولية بل كانت (عمليات جراحية) ميدانية تضمنت افتتاح مشروعات إنتاجية وتدشين برامج الحماية الاجتماعية وتفقد مراكز التدريب وزيارة المستشفيات وتفقد معسكرات النازحين للوقوف على واقعهم المعاش.
لقد أثبتت الوزارة أن قمة النجاح في مرحلة التعافي هي أن تكون حيث يوجد المواطن لا حيث توجد المكاتب.
لم يأتِ هذا النجاح الميداني من فراغ بل كان وليد عملية دقيقة من البناء المؤسسي. استكملت الوزارة دمج وزارتي (العمل والإصلاح الإداري) و(التنمية الاجتماعية) في كيان واحد متناغم يوحد الهياكل والاختصاصات. ولضمان الاستمرارية وضعت الوزارة أول خطة استراتيجية خمسية (2026–2030) مع خطط مرحلية (سنوية وخطة المائة يوم) ومصفوفات دقيقة لمؤشرات الأداء والمتابعة. كما شرعت الوزارة في تطوير (السجل الاجتماعي الموحد) ليكون المرجعية الوطنية الموثوقة للاستهداف الاجتماعي فضلا عن إعداد حزمة من مشروعات القوانين والسياسات التي تنظم سوق العمل والخدمة المدنية مما يعكس رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء رأس المال البشري بعد الحرب.
أدركت الوزارة مبكرا أن توزيع الإغاثة وإن كان واجبا إنسانيا طارئا ليس حلا مستداما لمعضلة الفقر. ومن هنا ولدت الرؤية الجديدة (جسر العبور من الإغاثة إلى الإنتاج) .
لم تعد الحماية الاجتماعية مجرد تقديم عون مالي بل تحولت إلى محرك للاقتصاد الوطني عبر الشراكة الثلاثية الفذة (ديوان الزكاة و مصرف الادخار والتنمية الاجتماعية ومفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر).
وبفضل هذه الشراكة تم تجهيز أكثر من 22 ألف مشروع صغير لتقدم الوزارة دعما نقديا مباشرا لأكثر من نصف مليون شخص من الشرائح الهشة مما ساهم في تحويل آلاف الأسر من حالة (الاحتياج) إلى خانة (الإنتاج) والاعتماد على الذات.
هذا التحول هو جوهر استراتيجية استعادة الأمل حيث يتم تمكين المواطن ليكون هو الفاعل في عملية إعادة الإعمار وليس مجرد منتظر للمعونة.
لعب ديوان الزكاة دورا محوريا في دعم النازحين والعودة الطوعية وإطلاق مبادرات لدعم السودانيين بالخارج والمساهمة في إطلاق سراح مئات الغارمين السودانيين في مصر والتوسع في المشروعات الإنتاجية والخدمات التعليمية والعلاجية. وفي ذات السياق شهد قطاع التأمين الصحي نقلة نوعية تمثلت في دمج هيئة تأمين ولاية الخرطوم في الصندوق القومي مع إعداد خارطة طريق لاستعادة الخدمات الصحية في المناطق المتأثرة بالحرب وإطلاق عشرات المخيمات العلاجية المجانية ورفع التغطية التأمينية.
وعلى صعيد التشغيل وتنمية الموارد البشرية أعادت الوزارة الاعتبار للتدريب المهني والتلمذة الصناعية كقاطرة لإعادة الإعمار. ولأول مرة تم إعلان نتائج دبلوم التدريب المهني والتلمذة الصناعية من مدينة مروي مع خطط طموحة لتحديث المناهج وتأهيل المدربين والتوسع في الشراكات الدولية لربط التدريب بفرص التمويل وسوق العمل وتعزيز ريادة الأعمال.
حينماكان البعض يظن أن الحرب ستفرض عزلة دولية خانقة على المؤسسات السودانية أصبحت الوزارة صوتا للسودان
فقد تحركة الوزارة في الاتجاه المعاكس وبسرعة مذهلة. لقد كسرت الوزارة طوق العزلة بحضور دولي وإقليمي كثيف من مؤتمرات العمل في جنيف إلى اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي في الدوحة وباكو والمؤتمر الدولي لسوق العمل بالرياض ومؤتمرات العمل العربية والمنتديات الأفريقية.
لم تكن تلك المشاركات بروتوكولية وإنما كانت مسارات لنسج تحالفات استراتيجية مع البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الهجرة الدولية وعدد من الوزارات المناظرة في دول شقيقة وصديقة مثل قطر ومصر وتركيا واليابان والمغرب وموريتانيا.
لقد أعادت الوزارة تعريف الدبلوماسية الاجتماعية مما جعل قضايا الموارد البشرية السودانية حاضرة على طاولة المجتمع الدولي، ومحولة التحديات إلى فرص للتعاون والبناء.
في قلب هذا البناء يأتي ملف (العودة الطوعية) كأحد أعظم إنجازات العام. إن مبادرة (العودة إلى الديار) ليست مجرد قرار إداري إنما هي تجسيد لمفهوم المواطنة الكريمة حيث قامت الوزارة بتنسيق منظومة معقدة مع سفاراتنا بالخارج وشركات الطيران الوطنية لتهيئة العودة الكريمة للنازحين. وبالتوازي مع ذلك قاد الوزير مبادرات لدعم السلام المجتمعي والتعايش السلمي والمصالحات القبلية وتقديم الدعم للخدمات الأساسية في المناطق التي خلت من المليشيات.
صباح
إن قراءة حصاد هذا العام تكشف أن الوزارة لم تكن (مديراً للأزمات) يطفئ الحرائق فحسب ولكن كانت (مهندسا للمستقبل) .
إن إعداد أول خطة استراتيجية خمسية (2026–2030) وتوحيد الهياكل وتطوير السجل الاجتماعي الموحد وصياغة سياسات سوق العمل وإصلاح الخدمة المدنية ليست إجراءات عابرة بل هي دعائم مؤسسة متينة قادرة على الصمود.
إن مرور عام من العمل تحت قيادة الأستاذ معتصم أحمد صالح كان عاما لإعادة الاعتبار للإنسان السوداني.
لقد أثبتت التجربة أن التغيير يبدأ من الإرادة وأن البناء ممكن وسط الركام إذا اقترنت الرؤية بالعمل الميداني الدؤوب.
هذه الوزارة اليوم لا تدير ملفات بل تقود (مشروعا وطنيا) لاستعادة الدولة.
لقد انتهى عهد الانتظار وبدأ عهد البناء المؤسسي الميداني إيمانا بأن الطريق الأقصر لإعادة بناء الوطن هو إعادة بناء الإنسان وتمكينه وحمايته.
لقد استعادت الوزارة الأمل، ووضعت السودان على خارطة طريق التنمية المستدامة والتعافي لتؤكد للعالم أن إرادة السودانيين لا تلين وأن وطنهم سيعود أقوى مما كان بفضل سواعد أبنائه الذين تصنعهم رؤية هذه الوزارة.




