رياضةمقالات

إسبانيا.. من كأس العالم إلى ضمير الإنسانية

بقلم/ حنان خالد: 

ليست كل الكؤوس تُرفع بالأقدام، فبعضها تُرفع بالمواقف. وليست كل البطولات تُحسم في الملاعب، فبعضها تُولد عندما يقرر الإنسان أن يقف إلى جانب الحق، وأن ينحاز إلى كرامة الإنسان مهما كان الثمن.
لم أختر إسبانيا لأنها فازت بكأس العالم، فالكؤوس يتناوب عليها المنتصرون، ولم أخترها لأنني أشجع منتخبها، فالميول الرياضية تبقى مسألة شخصية. اخترتها لأنني رأيت فيها مثالًا لدولة يمكن أن تجمع بين التفوق في الميدان، والجرأة في التعبير عن مواقفها. وعندما يجتمع النجاح مع المبادئ، يصبح الإنجاز أكبر من مجرد لقب رياضي.
عندما أحرز المنتخب الإسباني لقب كأس العالم، لم يكن ذلك مجرد انتصار رياضي جديد يضاف إلى سجل البطولات، بل كان تتويجًا لمسيرة طويلة من العمل، والانضباط، والإيمان بأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، وإنما ثقافة وهوية وفلسفة حياة.
لم تكن التيكي تاكا مجرد تمريرات قصيرة، بل كانت فلسفةً كاملة. كانت تقول إن الكرة لا تحتاج دائمًا إلى القوة، بل إلى العقل. وإن الانتصار لا يصنعه نجم واحد، بل فريق يعرف كيف يثق ببعضه بعضًا. ولذلك لم تكن التيكي تاكا مجرد أسلوب لعب، بل درسًا في أن التعاون يتغلب على الفردية، وأن الصبر يهزم التسرع، وأن الجمال يمكن أن يكون طريقًا إلى الانتصار.
وكأن إسبانيا أرادت أن تقول للعالم إن الأمم أيضًا يمكنها أن تنتصر بالطريقة نفسها؛ بالعقل قبل الانفعال، وبالحكمة قبل الضجيج، وبالإنسانية قبل الاستعراض.
ولم يكن هذا الإرث وليد جيل واحد، بل امتدادًا لتاريخ طويل صنعته الأندية الإسبانية العريقة، والدوري الإسباني الذي ظل لعقود من أقوى وأجمل الدوريات في العالم، وأسماء خلدها التاريخ، من لاعبين ومدربين جعلوا من كرة القدم فنًا يُدرَّس، لا مجرد مباراة تنتهي بصافرة الحكم.
ولهذا، لم يكن تتويج إسبانيا بالمونديال مفاجأة، بل بدا وكأنه النتيجة الطبيعية لمسيرة طويلة من الإبداع والإصرار واحترام اللعبة.
غير أن ما جعل إعجابي بإسبانيا أكبر، لم يكن كرة القدم وحدها.
ففي زمن أصبحت فيه المصالح السياسية تطغى على كثير من المبادئ، برزت مواقف رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بوصفها مواقف وضعت الاعتبارات الإنسانية في صدارة المشهد، وأكدت أن السياسة تستطيع، عندما تريد، أن تجعل من الإنسان قيمة لا تُساوَم.
وعندما تلتقي روعة الأداء في الملاعب بشجاعة الموقف خارجها، تولد صورة لوطن لا يكتفي بصناعة الانتصارات، بل يسعى أيضًا إلى أن يكون حاضرًا في ضمير الإنسانية.
وأنا أتابع فرحة الإسبان بهذا الإنجاز، لم أستطع أن أمنع قلبي من السفر إلى السودان. تمنيت فقط أن يأتي اليوم الذي يعرف فيه شعبي مثل هذه اللحظات؛ لحظات يلتف فيها الناس حول إنجازٍ يصنع المستقبل، لا حول أخبار الحرب. فكل شعب يستحق أن يكتب تاريخه بالإنجاز، لا أن يبقى أسير المآسي.
قد تُسجل البطولات في دفاتر الرياضة، وقد تُكتب القرارات في أرشيف السياسة، لكن ما يبقى في ذاكرة الشعوب هو شيء واحد… من وقف مع الإنسان عندما كان الإنسان في أمسِّ الحاجة إلى من يقف معه.
فالعالم قد يعجب بالأقوياء، لكنه لا يحترم إلا القوة التي تعرف لماذا تستعمل قوتها، ومتى، ولأجل من. فالقوة الحقيقية ليست قوة السلاح وحده، ولا قوة الاقتصاد وحده، بل القوة حين تقترن بالوعي، والوعي حين يقترن بالإنسانية.

حنان خالد
سانت جيل – فرنسا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى