
طارق شريف:
ليس عندي إحساس بالزمن، ولم يسبق لي الاحتفال بعيد ميلادي. ودائماً ما تداعبني “أم محمد” بأني ما زلت مصراً أن أقف في محطة الثلاثين، فأرد عليها ببيت العباسي الشهير: “عارض العارضين الشيب وقلت: أهلاً بمن رجحت به موازيني”.
لكن “العروسة حواس” وضعها مختلف. ساعات الزمان أخضر، كنا نحتفل بها سنوياً في فندق السلام “روتانا”، ونحسب الساعات والدقائق والثواني حتى موعد الاحتفال. واليوم تكمل 15 عاما من عمرها المديد إن شاء الله .
مجلة حواس تجربة مختلفة في مسيرتي الصحفية والإنسانية. رغم أنني عملت في صحف كبيرة وعريقة من “الصحافة” إلى “الرأي العام” وعاصرت أساطين الصحافة، إلا أن ما تعلمته في حواس يفوق الوصف.
عشرات الحوارات مع الخبراء الاقتصاديين ووزراء وصناع قرار ومحافظين سابقين للبنك المركزي ومدراء بنوك ورجال مال وأعمال .
وعندما فازت مجلة حواس بجائزة مجلس الصحافة والمطبوعات لأفضل أداء اقتصادي عن حوارها مع رجل الأعمال سعود البرير رئيس اتحاد أصحاب العمل السابق، كان ذلك تحولاً في منهج الصحافة السودانية. وبدأ الاقتصاد يتنفس الصعداء، بعد أن كان حبيس ركن ضيق في “الصفحات الميتة” وخرج إلى الصفحات الأولى.
وكان لحواس اهتمام خاص بالمرأة السودانية. شراكتنا مع جامعة الأحفاد للبنات في منتدى حواس كانت محطة مضيئة، وأفردنا صفحات كاملة لرائدات الأعمال ليكون صوتهن مسموعاً. لأننا آمنا أن نهضة الاقتصاد لا تكتمل إلا بمشاركة المرأة. وحتى المبدعات لم ننسهن، فنظمنا معرضاً تشكيلياً بعنوان “لمسات ناعمة” احتفاءً بإبداع المرأة وذهب ريع المعرض من بيع اللوحات كاملاً للفنانات.
*وأهم ما قدمته حواس* على الإطلاق كان *منتدى حواس الاقتصادي العلمي* في فندق السلام الذي كان سابقاً يعرف بروتانا، حيث التقى الخبراء وصناع القرار لرسم ملامح مستقبل الاقتصاد السوداني.
ما زلت أذكر أول عدد من حواس، وأنا أجلس في مطبعة “الصالحاني” بالعاصمة السورية دمشق، ونضع اللمسات الأولى مع الصديق السوري المصمم محمد العر الذي نشرنا تهنئة عيد ميلاد ابنته “تالا” في حواس وكانت طفلة في سنواتها الأولى.. واليوم تبلغ العشرين.
سر استمرار حواس هو الثقة بالله، والصدق في النية والعمل. وكل مرة أردد بيت الشيخ قريب الله أبو صالح:
“أعرض عن الناس وادخل حضرة الله، والله
والله لا ينفعك ذو سعة ولا يحميك ذو جاه
والله.. والله لن تلقى سوى الله”
ومع الحرب لحواس قصة تستحق أن تُروى. من تجولي متخفياً ما بين بحري وأم درمان، ودعم الجيش بقوة في معركة الكرامة، إلى لحظة استقبال ابنتي “حلا” وسط دوي الدانات في مركز صحي صغير للولادة بشارع الوادي بأم درمان .
ما أريد أن أقوله وأؤكد عليه: أن تجربة حواس كانت تجربة إنسانية عميقة قبل أن تكون تجربة صحفية. وهي جهد جماعي من مجلس الإدارة وإدارة التحرير والمحررين والكتاب والمصممين والمصورين وحتى الفنيين في المطبعة.
أما شركاء حواس الذين وثقوا بها من شركات وبنوك ومؤسسات، فقد تشرفت المجلة بشراكتهم المستنيرة.
وهل أنسى القارئ العزيز الذي يتابع حواس ويمنحها وقود الاستمرار؟
وعندما طالعت مقالات الأحباب الكرام ودعواتهم المباركة، والتهانئ المتميزة من البنوك والشركات والمؤسسات، والسفراء وكبار الصحفيين والكتاب والخبراء وقراء حواس، قلت لنفسي: “اللهم كما حسّن الناس بنا الظن، فاجعلنا عند حسن ظنهم”. ولله الحمد والمنة من قبل ومن بعد
شكراً لكم ما أجملكم جميعاً.



