منوعات وفنون

هبطنا في الأرض المقدسة.. فهل من مزيد؟!

خواطر ومشاهدات من رحلات متكررة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة

بقلم/ صباح أحمد: 

“زيدي يا نيران في الضرم… واطري لي إفطار الحرم”
هكذا كان أهلنا في السودان يختصرون شوقهم إلى الديار المقدسة، بكلمات قليلة في مدحة عظيمة تحمل من الحنين ما لا تحمله صفحات. وكلما وطئت قدماي أرض مكة المكرمة أو المدينة المنورة، حضرت هذه العبارة إلى ذهني، وأدركت أنها لم تكن مجرد كلمات عادية، بل كانت وصفاً دقيقاً لشوق لا ينطفئ…
فهناك أماكن نزورها..وهناك أماكن تسكننا..أما مكة المكرمة والمدينة المنورة، فليستا مجرد مدينتين، بل وطنٌ للروح؛ كلما غادرتهما ازداد الشوق إليهما، وكأن القلب لا يكتفي مهما طال المقام.

وقد أتاحت لي الحياة العديد من الفرص لزيارة بلاد الحرمين الشريفين بغرض أداء العمرة والزيارة والجوار، فسافرت إلى المملكة العربية السعودية بحراً عبر ميناء سواكن وصولاً إلى ميناء جدة الإسلامي ،كما سافرت جواً من مطار الخرطوم إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة وكانت رحلتي الأخيرة من مطار بورتسودان إلى الملك عبد العزيز نفسه .
وفي كل مرة أزور فيها المملكة، يلفت انتباهي شيء جديد.. أقول في نفسي إنني أعرف هذا المكان، ثم أكتشف أنه سبقني بخطوات إلى الأمام، فأجد نفسي مبهورة بما تحقق من قفزات تنموية متسارعة، وما تشهده البلاد من نهضة عمرانية وحراك كبير، خاصة في جانب البنيات التحتية، حتى أصبحت جدة مدينة تنبض بالحياة والحركة.
وبالطبع لا يتوقف التطوير عند المدن، بل يمتد إلى الحرمين الشريفين، حيث تتواصل مشروعات التوسعة والتحديث، ويجري توظيف أحدث وسائل التكنولوجيا لخدمة ضيوف الرحمن، سواء في المسجد الحرام بمكة المكرمة، أو المسجد النبوي بالمدينة المنورة، أو في المشاعر المقدسة والمزارات التاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية والحراك الحضاري والإنساني عبر القرون.
وهذا كله يجعل المملكة العربية السعودية تستحق بجدارة أن تكون الدولة الرائدة في قطاع السياحة الدينية، وهي التي تستقبل المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها طوال العام، لأداء الحج والعمرة والزيارة.
وبعد أن منّ الله عليّ بأداء العمرة وإكمال مناسكها داخل المسجد الحرام، اخترت التوجه إلى المدينة المنورة عبر قطار الحرمين السريع، في رحلة ممتعة أحب أن أكررها في كل زيارة.. بل أصبحت أحرص دائماً أن يكون ذهابي إلى المدينة وعودتي منها إلى مكة عبر هذا القطار، لما يوفره من راحة، ولأنها ليست رحلة بين مدينتين، بل انتقال من شوق إلى شوق أكبر.
وكما أحرص على وسيلة السفر، أحرص كذلك على أن يكون سكني قريباً من الحرمين الشريفين، حتى أصل إلى الصلاة سيراً على الأقدام. ففي كثرة الخطى إلى بيوت الله سعادة لا توصف، وراحة للنفس، وطمأنينة لا يشعر بها إلا من عاش تلك اللحظات.
ومن أجمل ما تهبه لك هذه الرحلة، أن تصلي مأموماً خلف أئمة الحرمين الشريفين، فتشعر أن القرآن يُتلى على قلبك قبل أن تسمعه أذناك.. ففي المسجد الحرام تشرفت بالصلاة خلف أصحاب الأصوات الندية، ومنهم الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس، والشيخ الدكتور ماهر المعيقلي، والشيخ الدكتور ياسر الدوسري، والشيخ الدكتور بندر بليلة، والشيخ الدكتور عبد الله الجهني، والشيخ الدكتور بدر التركي، والشيخ الدكتور فيصل غزاوي، وغيرهم من أئمة المسجد الحرام.
وفي المسجد النبوي، يظل لصوت شيخ القراء الشيخ علي عبد الرحمن الحذيفي مكانة خاصة في قلبي، إلى جانب الشيخ الدكتور صلاح البدير، والشيخ الدكتور عبد البارئ الثبيتي، والشيخ الدكتور عبد الله القرافي، والشيخ الدكتور خالد المهنا، والشيخ الدكتور أحمد الحذيفي، والشيخ الدكتور عبد الله البعيجان، وغيرهم من أئمة المسجد النبوي، الذين لا تميل إليهم القلوب في تلاواتهم العطرة آناء الليل وأطراف النهار فحسب، بل يطرب السامع كذلك لخطبهم من على منابر الجمعة، بما تحمله من علم وحكمة وطمأنينة.
وفي المدينة المنورة، أحرص دائماً على زيارة جبل أحد، والوقوف عند مقبرة الشهداء، والصلاة في مسجد قباء ومسجد القبلتين، ثم الصلاة في الروضة الشريفة، والسلام على سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ثم السلام على أهل البقيع، رحمهم الله جميعاً.
وكلما وقفت أمام الحجرة النبوية، حضرت إلى خاطري كلمات ظللت أرددها منذ سنوات:
“ولمّتين أزورك ويغمرني نورك.. تجري الدموع وتروي سورك يا نبي”
هي كلمات تختصر شعوراً لا تستطيع اللغة أن تصفه، فالمدينة المنورة ليست مكاناً يُزار، وإنما سكينة تُعاش.
فما دخلت مدينةً قط، وشعرت فيها من السكينة والأمان والطمأنينة، كما شعرت في المدينة المنورة.
ولا أجد أمنية أصدق من أن يكتب الله لي الإقامة في هذه المدينة المباركة، وأن أكون من جيران مسجد رسول الله ﷺ. فما دخلت مدينةً قط، غمرت قلبي من السكينة والأمان والطمأنينة مثلما غمرتني المدينة المنورة.
وكلما هممت بمغادرتها، وجدت نفسي أرفع كفي إلى السماء بدعاء لا يتغير:
اللهم اجعل المدينة المنورة مسكني، ومقبضي، ومدفني، يا رب العالمين.
أما الأمنية التي ما زالت تسكن قلبي، فهي أن يكرمني الله بأداء فريضة الحج، والصلاة في مسجد نمرة ومسجد الخيف، وإكمال المناسك مشياً على الأقدام، متنقلةً بين منى ومزدلفة وعرفات، ثم العودة إلى المسجد الحرام، مستشعرةً عظمة تلك المشاعر المباركة. وأملي في الله كبير، وما عند الله ليس ببعيد.
ولعل أجمل ما يميز هذه الرحلات، إلى جانب قدسيتها، لقاء السودانيين في مكة المكرمة والمدينة المنورة. تشعر وكأن الوطن جاء ليسلم عليك، فهم قوم خصهم الله بمحبة الحرمين الشريفين، وبمحبة خاصة للمملكة العربية السعودية وشعبها، تقديراً لما يبذلونه من جهود عظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين، ورعاية قاصدي بيت الله الحرام ومسجد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
وحين يحين موعد الرحيل، ألتفت خلفي مرة أخيرة… فلا أجد في القلب إلا دعاءً بأن تتجدد الزيارة، وأن يكتب الله لقاءً آخر.
أغادر بجسدي.. ويبقى قلبي هناك، معلقاً بين الكعبة المشرفة وقبة المسجد النبوي.
ففي هذه الأرض المباركة، لا يقول القلب يوماً: اكتفيت..بل يظل يردد في كل مرة:
هبطنا في الأرض المقدسة..فهل من مزيد؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى