العلاقات السودانية السعودية.. أفق جديد

د. محمد خليفة صديق:
تشهد المنطقة العربية والإقليمية تحولات جيوسياسية عميقة وموجات إعادة تشكيل للمحاور التحالفية، تمتد تأثيراتها من حوض البحر الأحمر إلى قلب معادلات التوازن الدولي. وفي خضم هذه المتغيرات، تتصدر العلاقات السودانية السعودية المشهد كركيزة استراتيجية تتجاوز في أبعادها الأطر الدبلوماسية التقليدية لتلامس آفاق الشراكة الأمنية والعسكرية والسياسية الناجزة.
وقد جاء الحدثان البارزان مؤخراً—تسلم رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أوراق اعتماد السفير السعودي الجديد لدى الخرطوم د. زيد بن مخلد الحربي، ومشاركة رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن ياسر العطا في الاجتماع التأسيسي للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بالرياض—ليؤكدا بدء مرحلة جديدة عنوانها الاستقلالية الاستراتيجية وتكامل المصالح العليا.
دلالات التوقيت والاختيار: د.الحربي والنقلة المتوقعة
تستند الخطوة السعودية بتقديم أوراق اعتماد السفير د. زيد بن مخلد الحربي للقائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة بالقصر الجمهوري بالخرطوم إلى دلالات سياسية بالغة الأهمية. ففي ظل الظروف الراهنة التي يمر بها السودان، يمثل هذا الإجراء التأكيد السعودي المستمر على الاعتراف بشرعية مؤسسات الدولة السودانية الرسمية ودعم حكومتها وجيشها الوطني، وذلك بهذه الرسالة بالغة الدلالة من قلب العاصمة القومية ومن رمز السيادة القصر الجهوري على ضفاف النيل الخالد بالخرطوم.
كما إن الحديث عن نقل تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، والـحرص على “دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب”، يعكس قراءة سعودية مدركة لحجم التحولات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. حيث أضحى دعم استقرار السودان وسيادته جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي للمملكة العربية السعودية وأمن المعابر المائية الحيوية.
كما أن اختيار السفير تم بميزان دقيق كعادة الدبلوماسية السعودية؛ فشخصية د. الحربي الذي يحمل درجة الدكتوراة في علم الاجتماع تجعله قادرا على فهم تعقيدات المجتمع السوداني، بجانب تأهيله العالي بماجستير في الدراسات الدولية، ودبلوم معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، وعمله سفيراً للمملكة لدى جمهورية النيجر والذي يجعله محيطا بمنطقة الساحل الإفريقي وتعقيداتها، مما يجعلنا نطمئن أنه سينقل العلاقات لآفاق غير مسبوقة.
السيرة الذاتية للحربي تقول أنه عمل وزيراً مفوضاً في “وزارة الخارجية السعودية”، وسكرتيراً أول في الوزارة ذاتها، كما عمل مستشاراً في سفارة المملكة العربية السعودية في كندا”، ورئيساً لقسم الشؤون الإعلامية في السفارة ذاتها، كما تولى منصب نائب قنصل في سفارة المملكة العربية السعودية في المملكة الأردنية الهاشمية”، ونائب قنصل في “القنصلية العامة للمملكة العربية السعودية في نيويورك”، وقائم بالأعمال بالنيابة في سفارة المملكة العربية السعودية في جمهورية الجابون”.
التحالف البحرى الدفاعي: ولادة قطب أمني بقيادة إقليمية
وشكل إعلان تأسيس “التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات” في الرياض—بمشاركة 14 دولة مؤسسة في مقدمتها السعودية وتركيا وباكستان والسودان—محطة فارقة في تاريخ الترتيبات الأمنية بالشرق الأوسط. ولأول مرة، يتشكل حلف بحري دفاعي يمتد نطاق عمله على طول البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن بقيادة وإدارة إقليمية ذاتية متجاوزاً صيغ الاعتماد الأحادي على المظلة الأمنية الغربية أو الأمريكية.
وتأتي مشاركة الجيش السوداني عبر رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا في هذا الحلف لتبرز عدة معطيات استراتيجية:
الموقع والمساحة: يمتلك السودان شريطاً ساحلياً يمتد لنحو 700 كيلومتر على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر، مما يجعله رقماً صعباً في أي معادلة تهدف لتأمين خطوط الإمداد والتجارة العالمية التي يعبر من خلالها 10% إلى 15% من حركة التجارة الدولية.
الخبرة الكفاءة القتالية: أظهرت المؤسسة العسكرية السودانية احترافية عالية في إدارة الحروب وتثبيت أركان الدولة خلال حرب إبريل 2023 ضد مليشيا الدعم السريع وداعميها، مما يعطي التحالف بعداً عملياتياً وحسماً ميدانياً عند التحديات الاستثنائية.
الغطاء السياسي والمؤسسي: يمثل الانضمام إلى هذا الحلف اعترافاً دولياً وإقليمياً جامعاً بالجيش السوداني كممثل شرعي ووحيد لحماية الأراضي والمياه الإقليمية السودانية.
كما يمكن قراءة التحركات السعودية الأخيرة، سواء عبر اتفاقيات الردع أو التحالفات البحرية، بوصفها تحولاً اختيارياً صريحاً من دور “الدولة المموّلة” إلى دور “صانع النظام الإقليمي المستقل”. وقد كشفت الأحداث الأخيرة محدودية الضمانات الخارجية وأهمية بناء قوة دفاعية ذاتية تعتمد على العمق الإسلامي والعربي؛ فهذا التحالف البحري الدفاعي (الرياض 2026)، وطبيعته كتحالف إقليمي بقيادة سعودية ومشاركة 14 دولة، يهدف أساسا لحماية الملاحة وتأمين خطوط الطاقة واستقلالية القرار الأمني، أنه سيكون له ما بعده.
إن خروج هذا الحلف إلى النور، بوجود ركائز عسكرية وثقل إقليمي يضم دولاً محورية كتركيا وباكستان والسعودية والسودان، يوجه رسالة مفادها أن الإقليم يتجه نحو تعددية أقطاب متوازنة تحمي ثرواته ومقدساته وممراته المائية بوجه الطموحات والتمددات الخارجية.
الرافد الاقتصادي: مجلس التنسيق الاستراتيجي بـ10 ملفات حيوية
امتداداً لهذا التحول الاستراتيجي الشامل، جاء إعلان مصدر دبلوماسي سوداني عن ترتيبات توقيع اتفاقية بين السعودية والسودان في النصف الثاني أغسطس الجاري لإنشاء “مجلس للتعاون والتنسيق الاستراتيجي” بين البلدين بحضور وزيري الخارجية ومسؤولين من قطاعات الاستثمار والاقتصاد والتجارة. وتأتي هذه المبادرة التي حظيت بدعم على أعلى المستويات نتاج مباحثات سابقة جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في مكة المكرمة في مايو 2025.
هذا المجلس يمثل إطاراً مؤسسياً أعلى يدمج الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية ضمن مظلة واحدة، حيث تتضمن أجندته 10 ملفات اقتصادية رئيسية، تشمل: إعادة الإعمار، الزراعة والأمن الغذائي، الثروة الحيوانية، الذهب والتعدين، البحر الأحمر والموانئ، الطاقة والكهرباء، التمويل والمصارف، الصناعة والتصنيع الغذائي، الاتصالات والتحول الرقمي، السياحة والعقار والخدمات.
وهنا يؤكد خبراء اقتصاديون أن هذه الاتفاقية تمثل أكثر من إطار دبلوماسي، إذ ترسل رسالة واضحة بأن السودان، رغم ظروف الحرب، يظل جزءاً أصيلاً من منظومة التعاون الإقليمي، مما يؤكد على أهمية استعادة الثقة وتحسين بيئة الاستثمار عبر إنشاء مجلس أعمال سعودي-سوداني، وتبسيط الإجراءات، وإنشاء مناطق لوجستية مشتركة وتوقيع اتفاقيات حماية الاستثمارات. وواقع الحال يقول أن رأس المال السعودي قادر على تقديم حلول مستدامة لأزمات الاقتصاد السوداني عبر مسارات استراتيجية مختلفة تشمل: الخدمات الحيوية (الكهرباء والمياه والاتصالات والموانئ)، القطاعات الاستثمارية (التعدين والطاقة والصناعة)، الصادرات والواردات غير النفطية، الضمانات والتمويل، والأمن الغذائي.
آفاق المستقبل: تقاطع المصالح السودانية السعودية
إن العلاقات السودانية السعودية اليوم تتجاوز روابط الجوار الجغرافي والصلات التاريخية؛ لتستقر عند مفهوم المصير المشترك. فالسودان المستقر بجيشه الوطني ومؤسساته الدستورية هو حائط الصد الأول للضفة الشرقية للبحر الأحمر، والسعودية برؤيتها القيادية وعمقها الاستراتيجي تشكل السند السياسي والاقتصادي والأمني لاستقرار المنطقة.
لذا يمكن القول أن هذه التحركات مجتمعة تمثل خطوات نحو شراكة مؤسسية طويلة الأمد تجمع السياسة والاقتصاد والأمن والاستثمار، لتشكل نموذجاً جديداً للشراكات العربية القائمة على المصالح المشتركة وصناعة الاستقرار الإقليمي.
لقد فتح وصول د. الحربي واعتماده سفيرا لخادم الحرمين الشريفين في الخرطوم، بالتوازي مع التنسيق العسكري في الرياض، والشراكة الاستراتيجية المرتقبة آفاقاً جديدة تتكامل فيها البنية المالية والاستراتيجية للمملكة مع الموقع والاحترافية العسكرية للسودان، لتؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد ترسيخاً لشبكات أمان إقليمية تصاغ بأيدٍ عربية وإسلامية مستقلة.




