هل هي شرطة مكافحة القانون؟

ياسر جبارة:
انتشار المخدرات من الآفات التي تتمدد في المجتمع، ولن يكون الحديث عن آثارها الكارثية عن المتجمع إسرافا مهما تكرر وإنما ضرورة ملحة لتناسب حجم الضرر المترتب عليها. وعلى ما هو مستقر لدي من قناعة تخصني بأن التزام الشرطة بالقانون ضعيف وربما يجد بعض منتسبيها في الالتزام بالقانون أضرارا بمصالحهم غير المشروعة، إلا أن هذه القناعة لا تتفي أن الشرطة تقع على عاتقها مسؤولية استراتيجية في تأمين وحماية المجتمع من عوامل تعرية أواصره وتفكيك موروثاته وقيمه.
كما أن لدي قناعة خاصة أن الشرطة تحب أن تحمد بما لم تفعل ووقع النقد عليها ثقيل مما يقتضي مراجعة المفاهيم التي تقوم عليها هذه المؤسسات المملوكة للشعب سواء كانت رسمية أو أهلية.
وتأتي شرطة مكافحة المخدرات في صدارة هذه المعركة فقد وقفنا ونحن في صالات تحرير الصحف على أعمال فدائية نفذها شباب الجنود والضباط في ملاحقة عصابات المخدرات من النيل الأزرق جنوباً وحتى الردوم غربا وقدموا أرواحهم امتثالاً للواجب.
كنا نتعامل مع هذه الأخبار بشيء من الروتينية ولكن هذا لا ينفي ما تتركه لدينا من مشاعر بالأسى على أرواح الشباب المهدرة برصاص العصابات واعتزاز بفلاحهم في أخذ أمانتهم وعدم التفريط فيها ولكن هذا الجزء مكانه الاعتمالات الخاصة غالبا حين نكون في رحلة العودة إلى المنازل في ثلث الليل الأخير.
تظل مكافحة المخدرات بحاجة إلى عمل أوسع يقوم به المجتمع ممثلا في قطاعاته المختلفة مثل المبادرة التي أطلقها مؤخرا من مدينة الدامر،المخرج والصحفي الطيب صديق ومجموعة الأساتذة الدراميين، وتمددت إلى ولاية الجزيرة، لأن عمل الشرطة به الكثير من القصور وتغلب عليه أساليب بوليسية عفا عليها الدهر كما أن حجم التحدي يفرض وجود بوابات مراقبة قبل استفحال الأمر ووصوله مرحلة الجريمة.
أقول أساليب عفا عليها الدهر وفي خاطري حملات المداهمة التي تنفذها الشرطة في ميادين مقاهي الأحياء، ففي نحو مرتين شهدت سيارات الشرطة وهى تحيط بميدان الرابطة بحي مايو أربعين بود مدني وهم يثيرون الغبار ويضربون بالعصي على حديد السيارات ومن ثم رأيت الشباب وهم يركضون ومن بعد اوقفوا بعضهم ليجري تفتيشهم. وآخرين يوجهون حديثاً غليظا لنا بأن “قوموا يلا”.
ثم امتنعت عن زيارة هذا الميدان الرحيب، وأصبحت إذهب لاحتساء القهوة في بحر السنيط وهو على مقربة من هذا الميدان ولكن رائحة البنقو الكريهة وانتقاء الشبهات حرماني ذلك أيضا.
في بحر السنيط تجد بعض الشباب والناضجين كذلك يدخنون البنقو بأريحية وهم يتجاذبون الحديث حول أهمية تحري أكل الحلال وإيفاء الدين وان من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل وآيات مجتزأة تخالط كثافة الدخان.
على ما اتوفر عليه من اهتمام بقضية المخدرات إلا انني أجد من الامانة أن أشير إلى أن هذه المقالة لها حافز شخصي وهو اعتياد شرطة مكافحة المخدرات الطلب مني النزول في طريقي من مدني إلى الخرطوم أو العكس وفي الحقيقه كنت غافلا عن الأمر ولكني تبينت بعد تكرار الأمر، يصعد شابان إلى البص يتفرسان الوجوه ثم يجدان ضالتهما،،” انزل إنت”، ومن ثم أجد نفسي أمام مجموعة تجلس على دكة اسمنتية يدس أحدهم يده في جيبي بدون مقدمات لا يعرّفون بأنفسهم ولا مهمتهم، يخرجون علبة السجائر وينظرون داخلها ويقولون اتفضل، كانت آخر مرة أمس الأربعاء، بالقرب من مدينة أبو عشر، على قارعة الطريق سألت الشرطي الذي ينقب في جيبي هل أنتم مكافحة المخدرات؟ قال نعم كيف عرفت ذاك؟ قلت لا أحد غيرهم يطلب مني النزول دون الآخرين ولكن ما الذي يمكن أن يكون بيني وبين المخدرات قال هده السجائر،، عجبا.
الغريبة هذه المكافحة تتخطاني عندما أكون على سيارة خاصة أو التاكسي الولائي.
يحكى أنني كنت في زيارة لإحدى الولايات وبينما نستغرق وابن خالتي في مؤانسة دافئة قال لي: “طبعا اخوك اترقى والآن أصبحت مسؤولا عن مكافحة المخدرات بالولاية، قالها وهو يخرج لفافة من جيبه سمكها بحجم قطر ساق فطر الخريف ثم عكف عليها تدليلا وتقبيلا ومسها بتفل فضول فنجان قهوته ثم أشعلها ونفث دخانها واستغرق شاردا يتأمل ويرجو التوفيق في مهمته العظيمة أو هكذا قرأت تلك النظرة التي أسكنها سقف الصالون.
كنت قد هممت أن أقول مبارك الترقية ولكن خشيت مغارفة الإثم ترقية إثم أظن ذلك. ثم لذت بصمتي الأثير كصمت كلماتي هذي.

