مروي – 3500 ق.م/ مودا – 2026 ب.م

د. محمد خليفة صديق:
عرفت أرض السودان القديم الصناعات المعدنية منذ أمد بعيد (3500 قبل الميلاد) إبان ازدهار مملكة مروي وعاصمتها البجراوية، حيث شملت صناعات النحاس والذهب والحديد. ولعل أهم المعادن التي أعطت تلك المملكة شهرة واسعة ولعبت دوراً كبيرا في ازدهارها وبروزها كقوة إقليمية في منطقة شمال وشرق إفريقيا هو الحديد؛ إذ ساعد قدماء السودانيين (الكوشيين) على الاستيعاب السريع لتقنية الحديد معرفتهم الباكرة لعملية حرق الفخار والتحكم في درجة الحرارة واستخدامها الأمثل، كما استبان ذلك في تجاربهم الرائدة في استخدام أفران الفخار.
وتشير الكشوفات الأثرية إلى أن مملكة مروي كانت أول قطر أفريقي تمكن من تعدين وصهر وتصنيع الحديد منذ القرن السادس قبل الميلاد، ويعضد ذلك التواريخ الكاربونية لأقدم الآثار المروية وكميات نفايات الحديد (السلاج) الوفيرة المكتشفة، والتي تنوعت منتجاتها بين الآلات الزراعية والأسلحة والأدوات الطبية، حتى أطلق على مروي أسم (بيرمنجهام إفريقيا). وقد انداحت طرق صهر وتصنيع الحديد من مروي لتصل إلى أقاليم عديدة في أفريقيا جنوب الصحراء.
واليوم، تعود هذه الحضارة لتستيقظ من جديد في ذات الرقعة الجغرافية بولاية نهر النيل؛ فكما كانت مروي القديمة عاصمة الحديد في أفريقيا، يقف “مصنع مودا للحديد ” اليوم كحلقة وصل تاريخية تعيد إحياء هذا الإرث التليد، وتبرز تجربة هذا المصنع الاستثنائية كنموذج استثماري وطني رائد باستثمار يتجاوز 70 مليون دولار أمريكي، يسعى لتأسيس قاعدة صناعية متكاملة أساسها الحديد ومنتجاته كافة، وهو يحتل حاليا المرتبة الرابعة عشرة بين مصانع الحديد في إفريقيا.
ومعلوم أن الصناعات الثقيلة تُشكل الركيزة الأساسية للنهوض الاقتصادي والتنمية العمرانية في أي دولة تنهض من ركام الأزمات أو تسعى لبناء بنية تحتية صلبة، وفي السياق السوداني، تتجاوز أهمية إنتاج الحديد حدود التبادل التجاري التقليدي، لتغدو مسألة أمن قومي وسيادة اقتصادية قائمة على توطين المعرفة والإنتاج المحلي وتوطين الصناعات الثقيلة، ولتخفض الضغوط على موارد البلاد من النقد الأجنبي، وتتجلّى الأهمية الاقتصادية المباشرة لتوطين هذه الصناعة عبر الاستغناء عن فاتورة الاستيراد الباهظة التي تُقدّر بنحو 50 مليون دولار شهرياً (ما يعادل 600 مليون دولار سنوياً)، مما يرفع الضغط عن احتياطيات العملات الأجنبية ويدعم استقرار الجنيه السوداني.
تطرح استراتيجية مصنع مودا وفي إطار هذه الرؤية الوطنية، نموذجاً للنهوض بقطاع الحديد والصلب عبر خطوات مدروسة تتضمن: توفير فرص العمل وتنمية المجتمع، بتوفير أكثر من 2.000 فرصة عمل مباشرة للمهندسين والفنيين، وما يزيد على 10.000 فرصة عمل غير مباشرة في قطاعات النقل والتجارة والمقاولات والتعدين وغيرها، بجانب نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة باعتماد أحدث التقنيات وخطوط الإنتاج لتقديم حديد تسليح ومنتجات صلب عالية الجودة تطابق المعايير العالمية وتدعم كفاءة الكوادر الوطنية، وتأمين سلاسل الإمداد الوطنية بالحد من استنزاف العملات الأجنبية في استيراد مواد البناء، وتوفير الحديد محلياً بأسعار أكثر استقراراً لتخفيف الأعباء على المواطنين وتكاليف التشييد، بالإضافة إلى دعم مشاريع إعادة الإعمار والتصدير، من حيث تلبية الاحتياجات الضخمة لبناء المنازل، المصانع، المستشفيات التي تأثرت بالحرب، والجسور في مرحلة التعافي، مع التطلع للتوسع مستقبلاً وتصدير المنتجات إلى دول الجوار والأسواق الإفريقية المتعطشة للمنتج السوداني.
يقف خلف هذا الصرح الصناعي نموذجٌ للقيادة التنفيذية الوطنية يمثله الأستاذ محمد الفاتح عوض، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمصنع مودا للحديد، وهو نموذج يبرهن على قدرة العقول والكوادر الشبابية على تحمّل المسؤوليات الجسام، وإنجاز كبرى المشروعات القومية في أصعب الظروف؛ وهو ما عبّر عنه الأستاذ محمد الفاتح في كلمته خلال فعالية تكريم العاملين بالمصنع حين قال: “الناس بتقول الشباب ما بيتحملوا المسؤولية، لكن نحن في مودا هنا أثبتنا العكس”.
وتتجسد الرؤية الإدارية لقيادة مصنع مودا في عدة محاور استراتيجية: أولها البناء في ظل التحديات، فقد نجح المصنع تحت إدارته في تحقيق إنتاجية غطت جل احتياجات السوق السوداني في توقيت بالغ الدقة والتعقيد، حيث تتكامل الرؤية الاستثمارية للقيادة مع التوجهات الحكومية، وهو ما ترجمته زيارة الأستاذ محمد الفاتح عوض لوزيرة الصناعة الاتحادية الأستاذة محاسن علي يعقوب، لبناء شراكة متينة مع الوزارة كراعٍ للعملية الصناعية، وبحث الأدوار التي يلعبها المصنع في مرحلة إعادة الإعمار. كما تميزت مودا بالالتزام بالمسؤولية المجتمعية، ويظهر ذلك في التنسيق المستمر مع حكومة ولاية نهر النيل ودعم البنية التحتية والبيئة الاستثمارية، مع تركيز دائم على خدمة إنسان الولاية والمساهمة الفاعلة في دفع عجلة الاقتصاد الوطني والولائي، بجانب العمل الاجتماعي في ولاية الخرطوم، وفي ولاية البحر الأحمر التي ضمت مصنع مودا الأول.
ختاماً، ونحن نتمثل تجربة “مودا” بقيادة الأستاذ محمد الفاتح عوض وبجهود كوادرها الشابة في ولاية نهر النيل وفي ولاية البحر الأحمر امتداداً حديثاً لأفران مروي القديمة، وخطوة عملية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وبناء اقتصاد قائم على الإنتاج والتصنيع والاستغلال الأمثل للموارد المعدنية الذاتية. نرجو أن تبدأ مودا في التفكير في إنتاج خام الحديد، والاستغناء عن استيراد الخام من الخارج، ومعلوم أن السودان به احتياطيات هائلة من خام الحديد تتجاوز 30 مليار طن، وهي متوفرة في ولاية نهر النيل (في مناطق البجراوية وأبو حمد وشندي)، بجانب الولايات الأخرى مثل حلفا بالولاية الشمالية، والبحر الأحمر وجنوب كردفان وغيرها، مما يفتح آفاقاً استراتيجية لإعادة توطين صناعة الاستخراج والتعدين والصهر كاملة داخل السودان، ليعيد التاريخ نفسه، ويحدث الربط بين الماضي المروي والإنتاج الحديث، لتصبح المنطقة ومصنع مودا مركزاً إقليمياً وقارياً لصناعة الصلب والصناعات الثقيلة.. هل يعجز السودانيون عن تعدين وصهر الحديد اليوم وقد قاموا بذلك في هذه المنطقة قبل 3500 سنة..؟




