من جمع أدلة الأسلحة الكيميائية في السودان؟

رانيا عمر:
حين يصبح ملف استخباراتي سري أساسًا لاتهام السودان باستخدام الأسلحة الكيميائية، فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يكون: ماذا يقول الملف؟ بل: من جمعه، وكيف جمعه، وما الذي يمكن إثباته منه؟
في الحروب، لا تبدأ المعارك كلها من فوهات البنادق. بعضها يبدأ من المعلومات التي تُجمع في الغرف المغلقة، ثم تخرج إلى العالم في صورة «أدلة» يُطلب من الجميع التعامل معها باعتبارها حقائق مكتملة.
وهذا تحديدًا ما يجعل التقرير الجديد لصحيفة «نيويورك تايمز» عن الأسلحة الكيميائية في السودان بحاجة إلى قراءة مختلفة؛ قراءة لا تبدأ من القنبلة ولا من العقرب النافق، وإنما من الجهة التي جمعت هذا الملف الاستخباراتي الضخم وقدّمته للصحيفة.
تقول «نيويورك تايمز» إنها حصلت على ملف من جهاز استخبارات في الشرق الأوسط لم تكشف عن هويته، يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية، إلى جانب آلاف الرسائل النصية. وتقول إن جزءًا كبيرًا من المواد جاء من هواتف واتصالات كبار الضباط السودانيين، وإنها ترسم صورة لوحدة عسكرية سرية طورت خلال عام 2024 ذخائر قائمة على الكلور لاستخدامها ضد مليشيا الدعم السريع. كما تحدثت «واشنطن بوست» عن مواد قدمها مسؤولون أمنيون من الشرق الأوسط، قالوا إنهم حصلوا عليها عبر مصادر داخل السودان.
وهنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة للقلق.
ليس لأن جهاز استخبارات قدم معلومات؛ فالأجهزة الاستخباراتية بطبيعتها تجمع المعلومات. وإنما لأننا أمام كمية هائلة من المواد يُفترض أنها استُخرجت من هواتف واتصالات كبار الضباط السودانيين، بينما لا نعرف كيف وصلت هذه المواد أصلًا إلى الجهة التي جمعتها.
هل اختُرقت الهواتف؟ هل جرى اعتراض الاتصالات؟ هل كانت هناك مصادر بشرية داخل المؤسسة العسكرية؟ أم أن المواد وصلت إلى الجهة الاستخباراتية عبر وسيلة أخرى؟
وهذا الغموض ليس تفصيلًا ثانويًا. طريقة الحصول على الدليل جزء من قيمة الدليل نفسه؛ لأنها تحدد كيف يمكن فحصه، وما إذا كان كاملًا، وما إذا كان قد اختير وانتُقي قبل تقديمه.
واللافت هنا أن صحيفة «لوموند» قالت إن مصدرين أمنيين رجّحا أن تكون المواد قد جاءت من الاستخبارات الإسرائيلية، بينما لم تسمِّ «نيويورك تايمز» الجهة، واكتفت بوصفها بأنها جهاز استخبارات في الشرق الأوسط. والترجيح المنسوب إلى المصدرين لا يرقى، بطبيعة الحال، إلى إثبات علني لهوية الجهاز.
لكن مجرد وجود هذا الغموض يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: من الذي جمع الملف؟ وكيف وصل إلى هذه الاتصالات والوثائق؟ ولماذا اختير هذا التوقيت تحديدًا لإخراجه إلى العلن؟
هذه الأسئلة لا تثبت براءة الجيش السوداني، ومن هنا يصبح الانتقال إلى التسجيلات الصوتية طبيعيًا، لأن القضية لا تتوقف عند رسائل وصور.
التقرير يتحدث عن اتصالات ورسائل صوتية مرتبطة بكبار الضباط، ويشير إلى مواد مرتبطة بالفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، باعتبارها دليلًا على علمه بالمشروع المزعوم، بل يتحدث عن تعليمات بـ«إزالة جميع آثار» البرنامج بعد اكتشاف الولايات المتحدة له.
لكن إثباتها يبدأ قبل تفسيرها بأسئلة: هل التسجيل الأصلي موجود؟ هل خضع لفحص جنائي مستقل؟ هل أُجريت مطابقة صوتية تثبت أن الصوت يعود فعلًا إلى الشخص المنسوب إليه؟ هل التسجيل كامل أم مقتطع؟ وما السياق الذي قيلت فيه العبارة؟
في قضية يمكن أن تترتب عليها عقوبات دولية واتهامات باستخدام سلاح محظور، لا يكفي أن تقول جهة استخبارات إن هذا صوت البرهان؛ المطلوب أن يستطيع خبير مستقل فحص التسجيل والوصول إلى النتيجة نفسها.
وحتى إذا ثبتت هوية صاحب الصوت، تبقى مسألة السياق قائمة: ما المقصود تحديدًا بـ«إزالة جميع آثار»؟ وما الذي كان الحديث عنه في تلك اللحظة؟
هذه ليست محاولة لإنقاذ أحد.
إنها محاولة لمنع تحويل جملة واحدة، مهما كانت خطورتها، إلى حكم نهائي.
ثم نصل إلى القنابل.
بحسب الملف، اقترح العميد طارق حسين في يوليو 2024 ذخيرة تجمع رأسًا حربيًا متفجرًا مع نحو 15 كيلوغرامًا من غاز الكلور، وأشرف على نماذج أولية جرى اختبارها في الصحراء. وتقول «نيويورك تايمز» إن اختبارًا جرى في 22 يوليو، وإن العميد أرسل بعده مقطعًا لانفجار وكتب أن الاختبار نجح وأن الذخيرة أطلقت الغاز.
إذا ثبتت هذه الرواية، فنحن أمام أكثر من مجرد نقاش نظري؛ نحن أمام برنامج تطوير واختبار.
لكن حتى هنا، لا بد أن نسأل عن الشيء الذي يمكن أن يحسم المسألة: أين بقايا الاختبار؟
أين الموقع الذي انفجرت فيه الذخيرة؟ أين العينات؟ أين الآثار التي يمكن لخبراء مستقلين فحصها؟
علمًا بأن الخبراء الذين راجعوا المواد المنشورة قالوا إنها تبدو متسقة مع محاولة معقولة لتطوير أسلحة كيميائية، لكن الحسم يحتاج إلى تحقيق مستقل على الأرض.
وهذه نقطة لا ينبغي المرور عليها سريعًا؛ لأنها تعني أن الصور والرسائل يمكن أن تكون بداية لتحقيق، لكنها ليست التحقيق نفسه.
ومن هنا تأتي قصة العقارب.
يقول الملف إن تسرب الكلور كان يحدث من تصنيع القنابل، وإن العمال وجدوا حشرات وعقارب نافقة داخل المصنع بعد تعرضها للغاز خلال الليل. هذه الواقعة واردة في المادة المنشورة، لكن لا يظهر في المعلومات المتاحة أن تلك العقارب خضعت لتحليل مستقل يثبت أن الكلور كان سبب نفوقها.
قد يكون نفوقها متسقًا مع التعرض للكلور في مكان مغلق.
لكن العقارب ليست شهودًا.
وإذا كان الهدف هو إثبات استخدام سلاح كيميائي ضد البشر، فإن الأدلة الأهم يجب أن تكون في المستشفيات والسجلات الطبية والعينات البيولوجية وتقارير الأطباء والناجين والتحاليل المستقلة.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إحراجًا للرواية: حجم الادعاء مقارنة بحجم الأثر.
تقول «نيويورك تايمز» إن العميد حسين أفاد بحلول أكتوبر 2024 بأنه صنع نحو 300 ذخيرة كيميائية، بينما تحدثت «واشنطن بوست» عن مخزون يصل إلى 290 ذخيرة. هذا الاختلاف الطفيف في الرقم ليس تناقضًا في حد ذاته، لكنه يوضح أن الأرقام الواردة في المواد المنشورة تحتاج إلى تدقيق مستقل بدل التعامل معها كأرقام نهائية.
ثلاثمائة ذخيرة، أو حتى نحو مئتين وتسعين، ليست اختبارًا واحدًا، ولا قنبلة تجريبية، ولا مشروعًا لم يتجاوز مرحلة التصميم.
إنها كمية كبيرة يُقال إنها صُنعت بالفعل.
وهنا لا يكفي أن نسأل أين استُخدمت؛ بل يجب أن نسأل عن السلسلة التي سبقت الاستخدام: أين كانت المواد الخام؟ من أين أتت؟ أين صُنعت؟ من عمل عليها؟ كيف نُقلت؟ أين خُزنت؟ وكيف خرجت من مخازنها؟ وفي أي منطقة استُخدمت؟
والأهم من ذلك كله: أين الأثر البشري الذي يفترض أن تتركه؟
السودان لم يكن بلدًا خاليًا من السكان عام 2024. ملايين السودانيين ظلوا داخل البلاد، حتى في مناطق الحرب، بينما كانت المستشفيات والمنظمات الإنسانية تعمل وسط انهيار صحي واسع وتفشٍّ للأمراض.
ومع ذلك، لا توجد في الرواية المنشورة وفيات مؤكدة من الهجمات التي نُسبت إلى الكلور. كما تشير صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى عدم وجود وفيات مؤكدة، رغم تناولها تقارير عن استخدام الكلور.
لكن عندما يكون الادعاء نفسه يتحدث عن برنامج أنتج مئات الذخائر واستخدمها على مدى أشهر، فإن غياب توثيق مستقل واسع للإصابات والوفيات المرتبطة بها يصبح سؤالًا مشروعًا لا يجوز تجاهله.
أين السجلات الطبية التي تربط حالات بعينها بالتعرض للكلور؟ أين العينات؟ أين التحقيقات المستقلة التي تربط هذه الإصابات تحديدًا بالسلاح الذي يتحدث عنه الملف؟
وهنا تظهر مسألة أخرى لا ينبغي إغفالها: ملايين السودانيين ظلوا داخل البلاد طوال الحرب، ثم بدأت أعداد من النازحين واللاجئين في العودة إلى مناطقهم كلما انحسر القتال واستعادت القوات المسلحة مناطق جديدة.
وهنا تحديدًا، فإن سؤال الأثر الصحي والبيئي المتناسب مع حجم الاستخدام المزعوم يعد سؤالًا مشروعًا. فإذا كان الحديث عن برنامج واسع ومئات الذخائر، فأين بصمته؟
ثم نصل إلى الكلور نفسه.
يقول التقرير إن جزءًا من الكلور المستخدم في البرنامج جاء من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان.
لكن وجود الكلور في محطة مياه ليس أمرًا غريبًا، بل هو جزء أساسي من تطهير مياه الشرب، خصوصًا في بلد عانى خلال الحرب من انهيار شبكات المياه وتفشي الكوليرا.
والأرقام هنا مهمة حتى يدرك القارئ حجم الإمدادات المدنية التي كانت تدخل السودان لأغراض إنسانية: قال الصليب الأحمر إنه تبرع للمحطة بـ30 أسطوانة من غاز الكلور في عام 2023، بينما قالت منظمة «كير» إنها قدمت 35 أسطوانة بين عامي 2024 و2025، أي 65 أسطوانة من هاتين الجهتين وحدهما. وقالت اليونيسف إنها زودت ست محطات لمعالجة المياه في الخرطوم، من بينها المنارة، بالكلور بين عامي 2023 و2025.
هذه ليست، في أصلها، شحنة عسكرية سرية.
إنها إمدادات مرتبطة بمعالجة مياه الشرب في ظروف وبائية وإنسانية استثنائية.
لذلك فالسؤال ليس: لماذا أدخلت المنظمات الكلور إلى السودان؟
السؤال هو: هل استولى الجيش فعلًا على جزء من هذه الإمدادات؟
إذا كانت الإجابة نعم، فكم كانت الكمية؟ ومتى؟ ومن نقلها؟ ومن استلمها؟ وهل توجد سجلات لدى محطة المياه والمنظمات الإنسانية تستطيع أن تؤكد ذلك أو تنفيه؟
هذه أسئلة يمكن إخضاعها لوثائق مدنية مستقلة، بدل الاكتفاء برواية مصدر استخباراتي مجهول.
ثم يظهر رقم آخر يحتاج إلى تفسير.
تقول «نيويورك تايمز» إن العميد طارق حسين أفاد في أغسطس باستيراد 20 أسطوانة كلور من مصر، وإنها تكفي لصناعة نحو 1100 قنبلة، ثم قالت الصحيفة إنه بحلول أكتوبر أبلغ عن تصنيع نحو 300 ذخيرة.
قد لا يكون هذا تناقضًا حسابيًا حتميًا؛ فقد تكون الـ1100 تقديرًا لقدرة إنتاجية نظرية، بينما تمثل الـ300 ما قيل إنه صُنع فعليًا.
لكن الحساب نفسه يحتاج إلى كشف طريقته.
ما حجم الأسطوانات؟ كم كيلوغرامًا تحتوي؟ كيف تحولت 20 أسطوانة إلى 1100 قنبلة؟ وإذا كانت الذخيرة الواحدة تحتوي على نحو 15 كيلوغرامًا من الكلور، فكيف تتطابق هذه الأرقام؟
هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية.
إنها الحسابات التي يفترض أن تجعل الرواية قابلة للاختبار.
ثم نصل إلى الجيلي، وهنا تظهر نقطة أكثر تعقيدًا.
التقرير يربط هجومًا على مصفاة الجيلي في سبتمبر 2024 باستخدام الكلور، مستندًا إلى مواد في الملف وإلى بيان أصدرته مليشيا الدعم السريع، إضافة إلى تحقيق أجرته «فرانس 24». وتقول «نيويورك تايمز» إن تحقيق «فرانس 24» وثق ضربات كيميائية في المنشأة. لكن التحقيق الفرنسي خلص إلى أن القنابل التي استخدمت في الموقع كانت أسطوانات غاز كبيرة، وليست الذخائر الأصغر التي يقول الملف إن العميد طارق حسين كان يصنعها. ولم يتضح سبب هذا الاختلاف.
لكن في الوقت نفسه، لا يثبت أن ما حدث في الجيلي كان جزءًا من برنامج الذخائر الذي ينسبه الملف إلى طارق حسين.
وهذا فارق جوهري.
إثبات وجود الكلور في موقع ما شيء، وإثبات مصدره وطريقة استخدامه والجهة التي استخدمته شيء آخر.
وإذا كانت الذخائر التي صممها العميد طارق مختلفة عن الأسطوانات التي ظهرت في الجيلي، فالسؤال يصبح أكثر تحديدًا: هل كان هناك مساران مختلفان لاستخدام الكلور؟ أم أن هناك خللًا في الربط بين الوقائع المختلفة داخل سرد الرواية؟
أما الهجوم الآخر الذي يذكره الملف في أكتوبر، والذي يقول إنه تسبب في خسائر بشرية وفرار السكان، فلا يقدم التقرير المنشور توثيقًا مفتوحًا كافيًا يسمح بحسمه.
ثم تأتي مفارقة أخرى لا يمكن تجاوزها بسهولة.
بحسب التقرير، شكّل الفريق أول البرهان لجنة للتحقيق في الاتهامات الأميركية، وكان العميد طارق حسين، الذي تقدمه المواد الاستخباراتية باعتباره قائد المشروع الكيميائي المزعوم، من بين مستشاري اللجنة.
إذا صحت هذه الرواية، فكيف أصبح الشخص الذي يُتهم بقيادة البرنامج جزءًا من لجنة تحقق في وجود البرنامج؟
هذه الأسئلة ليست دليلًا على براءة أحد، لكنها تكشف أن القصة نفسها تحتاج إلى أكثر من رواية واحدة كي تكتمل.
وهنا يجب الاعتراف بشيء آخر حتى لا يبدو المقال وكأنه يتجاهل التطورات الأميركية.
الولايات المتحدة لم تعد تكتفي باتهام السودان شفهيًا؛ فقد قررت في عام 2025 أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية بالمخالفة للقانون الدولي، وفرضت عقوبات، ثم قررت في يونيو 2026 فرض عقوبات إضافية بعد أن قالت إن السودان لم يستوفِ الشروط المطلوبة لرفع الإجراءات. والسجل الرسمي الأميركي المنشور في يوليو 2026 يثبت هذا الموقف صراحة.
لكن هذا يجعل السؤال أكثر أهمية، لا أقل.
لأن السؤال لم يعد فقط: هل قالت الولايات المتحدة إن السودان استخدم أسلحة كيميائية؟
نعم، قالت ذلك.
السؤال الذي يستحق النقاش الآن هو: ما الأدلة المستقلة القابلة للفحص التي تثبت الاستخدام، وما الذي يثبت الصلة بين كل واقعة والأسلحة التي ينسبها الملف إلى البرنامج المزعوم؟
فالعقوبات الأميركية قرار سياسي وقانوني صادر عن الحكومة الأميركية، لكنها ليست بديلًا عن تحقيق دولي مستقل قادر على فحص المواد والأدلة المادية.
ولهذا لا أرى أن الموقف المهني هو أن نقول إن الادعاء أكبر من أن يُحسم بملف استخباراتي سري وحده.
إذا ثبت أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية، فلا يمكن تبرير ذلك بالحرب ولا بطبيعة الخصم، ويجب محاسبة المسؤولين عنه.
لكن إذا كانت هناك أسئلة حول مصدر المواد، وطريقة الحصول عليها، والتسجيلات المنسوبة إلى مسؤولين سودانيين، والأرقام الواردة في الملف، والاختلاف بين أنواع الذخائر، والروابط بين الوقائع المختلفة، وغياب توثيق مستقل واسع للأثر البشري، فإن طرح هذه الأسئلة هو أبسط قواعد التحقق.
والحقيقة في السودان لا يمكن أن تُبنى من طرف واحد: لا واشنطن، ولا جهاز الاستخبارات المجهول، ولا حتى «نيويورك تايمز».
يحتاج السودان إلى تحقيق مستقل يدخل المواقع، ويفحص العينات، ويدقق التسجيلات، ويحلل المواد الرقمية، ويطابق سجلات النقل والطيران، ويتحقق من مصادر الكلور، ويفصل بدقة بين ما يثبت وجود برنامج مزعوم، وما يثبت تصنيع ذخائر، واستخدامها في السودان.
وهنا يعود السؤال الذي بدأت منه الحكاية كلها، لا باعتباره مناورة سياسية، وإنما باعتباره سؤالًا صحفيًا لا يمكن تجاوزه:
من جمع أدلة الأسلحة الكيميائية في السودان؟
إذا كان كشف اسم الجهاز مستحيلًا لحماية مصدر استخباراتي، فهذا مفهوم من الناحية المهنية. لكن السرية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة، ولا أن يصبح المصدر المجهول محكمة تصدر حكمًا نهائيًا على السودان.
فالملف الاستخباراتي قد يكون بداية التحقيق، لكنه لا يمكن أن يكون نهايته.
وفي قضية بهذا الحجم، لا يكفي أن نعرف ماذا تقول الأدلة؛ علينا أن نعرف من جمعها، وكيف جُمعت، وما الذي تثبته فعلًا، وما الذي لا تستطيع إثباته.
لأن السودان لا يحتاج إلى رواية تُصطنع للضغط عليه؛ يحتاج إلى الحقيقة. والحقيقة تحتاج إلى دليل.




