مقالات

المعلم بلا حماية.. والصحفي بلا إجابة: من يحاسب الدولة؟

رانيا عمر:

في السودان، قد يحتاج الصحفي إلى أسابيع حتى يحصل على إجابة من مؤسسة حكومية عن سؤال يتعلق بعملها، وقد يضطر إلى التذكير مرة واثنتين وعشر مرات، ثم يظل في النهاية بلا إجابة. المشكلة هنا ليست في تأخر رسالة أو انشغال مسؤول، بل في ثقافة كاملة يبدو أنها تتعامل مع حق الصحفي في الحصول على المعلومة وكأنه طلب شخصي يمكن قبوله أو تجاهله وفق المزاج.

في السادس من سبتمبر، أرسلت إلى وزارة التربية والتعليم مجموعة أسئلة تتعلق بملف التعليم بعد الحرب، وهي أسئلة لم تكن عن شأن شخصي أو قضية هامشية، وإنما عن المعلمين، والمدارس الخارجة عن الخدمة، والطلاب الذين انقطعوا عن الدراسة، ومعايير اختيار المعلمين وتأهيلهم، وخطط الوزارة لإعادة بناء قطاع تعرض لأضرار هائلة بسبب الحرب. جاء الرد من مسؤول الإعلام بأن الأسئلة «كتيرة شديد». وفي الثاني عشر من سبتمبر اقترحت عليه حلاً بسيطاً: يسجل الإجابات صوتياً، وأنا أتولى تفريغها وإعداد التقرير. الرسائل قُرئت، لكن الإجابة لم تصل حتى لحظة كتابة هذا المقال.

وفي اليوم نفسه، أرسلت أسئلة إلى وزارة المالية حول تمويل التعليم وإعادة بناء المدارس وأولويات الإنفاق العام، لكن الرسالة لم تُفتح، والاتصالات لم تجد رداً.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد تأخير إداري. لكنه يصبح أكثر خطورة حين نعرف أن هذه ليست حالة منفردة. هناك مؤسسات حكومية أخرى احتاجت أسابيع، وأحياناً أكثر من شهر، للرد على أسئلة صحفية، بل إن إحدى الجهات أبلغتني بأن الإجابات أصبحت جاهزة منذ شهرين، ومع ذلك لم تصل حتى الآن، رغم المتابعة المتكررة.

هنا لا يعود السؤال: لماذا لم يرد هذا المسؤول؟ السؤال يصبح: ما هو المعيار الذي يحكم علاقة المؤسسات الحكومية بالصحافة في السودان؟

هل توجد مدة محددة للرد على الصحفيين؟ هل تختلف الأولوية بحسب اسم الصحفي أو المؤسسة التي يعمل معها؟ هل الإجابة أسرع لمن تربطه علاقة شخصية بالمسؤول؟ هل هناك صحفيون يحصلون على المعلومات لأنهم يجيدون التطبيل والتضخيم والتفخيم والتبجيل، بينما ينتظر الآخرون طويلاً لأنهم يطرحون أسئلة صعبة؟

وإذا كان هناك معيار آخر غير ذلك، فليُعلن بوضوح.

فالصحفي عندما يرسل أسئلة إلى مؤسسة حكومية لا يطلب معروفاً، ولا يبحث عن مجاملة. هو يؤدي عمله. والمسؤول عندما يجيب لا يتفضل عليه، وإنما يؤدي هو الآخر عملاً يتقاضى عليه راتباً من الدولة.

المشكلة أن بعض مسؤولي الإعلام في المؤسسات الحكومية يتعاملون أحياناً مع الصحفي وكأنه شخص جاء ليستجدي معلومة، بينما الحقيقة أن مسؤول الإعلام نفسه موجود في موقعه تحديداً ليكون حلقة وصل بين المؤسسة والإعلام والرأي العام. وظيفته أن يفتح الطريق أمام المعلومة، لا أن يغلقه.

واللباقة هنا ليست ترفاً. والقدرة على الحوار ليست أمراً ثانوياً. ومن حق الناس أن يسألوا أيضاً: كيف يتم اختيار مسؤولي الإعلام في المؤسسات الحكومية؟ وهل يتلقون تدريباً حقيقياً على التعامل مع الصحفيين وإدارة الأسئلة والرد عليها؟ وهل يعرف كل مسؤول إعلامي حدود دوره، أم أن بعضهم ينسى أنه مسؤول إعلام فيتصرف وكأنه الوزير نفسه؟

لكن قضية التعامل مع الصحافة ليست منفصلة عن طريقة إدارة الدولة لملفاتها. فالوزارة التي لا تستطيع أن تقدم للصحفي أرقاماً واضحة عن مدارسها، أو تصوراً معلناً لإعادة التعليم، أو إجابات محددة عن أوضاع المعلمين، لا تستطيع أن تطلب من المجتمع أن يكتفي بالثقة وأن يتوقف عن السؤال.

وهنا نصل إلى التعليم، وهو أحد أكثر الملفات التي تحتاج إلى إجابات لا إلى شعارات.

إذا كانت الدولة تقول إن المعلم هو أساس العملية التعليمية، فمن حق الناس أن يعرفوا كيف تختار هذا الأساس، وكيف تؤهله، وكيف تحميه، وكيف تضمن استمراره في أداء مهمته في بلد خرج من حرب تركت ملايين الأطفال تحت ضغط النزوح والفقدان والانقطاع عن التعليم.

هل اختيار المعلم في السودان يقوم على معايير واضحة وموحدة؟ وهل الشهادة وحدها تكفي؟ وهل خريج كلية التربية يصبح مؤهلاً تلقائياً للتدريس، أم أن هناك اختبارات حقيقية لقياس الكفاءة المهنية والقدرة على التعامل مع الأطفال؟ وهل يخضع المتقدم للتدريس لتقييم نفسي وتربوي ومهني، خصوصاً أن المعلم الذي سيعود إلى الفصل بعد الحرب لن يتعامل مع أطفال يعيشون ظروفاً طبيعية؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً. لأننا نتحدث عن أطفال فقد بعضهم منزله، ومدرسته، وأحد والديه، أو عاش سنوات من النزوح والخوف. ومن غير المنطقي أن نعيد الطفل إلى المدرسة ثم نضع أمامه معلماً لم نتحقق أصلاً من قدرته على التعامل مع آثار هذه التجربة.

وإذا كان المعلم هو أساس التعليم فعلاً، فلماذا لا تكون بوابة إعداد المعلم من أكثر البوابات صرامة؟ لماذا يمكن أن يصبح القبول في كلية التربية في بعض الحالات مجرد نتيجة لمجموع الشهادة السودانية، من دون أن نعرف هل يمتلك الطالب أصلاً الشخصية والقدرة على التواصل والصبر والمهارات التي يحتاجها من سيقف أمام عشرات الأطفال كل يوم؟

ثم ماذا عن المدارس نفسها؟

كم مدرسة خرجت من الخدمة منذ بداية الحرب؟ كم منها دُمر بالكامل؟ وكم يحتاج إلى صيانة؟ وكم مدرسة تحولت إلى مأوى للنازحين؟ وكم مدرسة عادت فعلياً إلى الخدمة؟ وما المقصود أصلاً بعبارة «عادت إلى الخدمة»؟ هل عادت المباني فقط، أم عاد إليها المعلمون والطلاب والكتب والمقاعد وكل ما يجعلها مدرسة بالمعنى الحقيقي؟

هذه ليست أرقاماً تخص وزارة التربية والتعليم وحدها. إنها أرقام تخص مستقبل السودان كله.

والأخطر أن الفجوة التعليمية لا تتوقف عند الخراب المادي. هناك أطفال فقدوا عاماً دراسياً، وربما عامين أو أكثر. وهناك من نزح من ولاية إلى أخرى، ومن انتقل بين مدارس مختلفة، ومن لم يعد إلى الدراسة أصلاً. فماذا ستفعل الدولة بهؤلاء؟ هل ستعيدهم إلى الصفوف التي تركوها؟ هل ستضع برامج لتعويض ما فقدوه؟ وهل يمكن اختصار السنوات الضائعة بطريقة لا تحول التعليم نفسه إلى سباق لإنهاء المناهج؟

والسؤال يصبح أكثر إلحاحاً في دارفور وكردفان والمناطق التي تضررت مباشرة من الحرب، حيث لا يمكن افتراض أن المشكلة واحدة في كل السودان. هناك مناطق تحتاج إلى إعادة بناء المدارس، وأخرى تحتاج إلى المعلمين، وأخرى إلى الكتب والمقاعد، وأخرى تحتاج إلى إعادة الأطفال أنفسهم إلى النظام التعليمي.

لكن حتى كل ذلك لن ينجح إذا تجاهلت الدولة الإنسان الذي سيحمل هذه العملية على كتفيه: المعلم.

لا يمكن أن نتحدث عن جودة التعليم بينما المعلم نفسه يبحث عن الأمان. ولا يمكن أن نطالب المعلم بأن يتحمل مسؤولية جيل كامل خرج من حرب، بينما هو غير مطمئن إلى راتبه، أو علاجه، أو علاج أسرته، أو مستقبله.

وهنا تدخل وزارة المالية في قلب القضية، لأن التعليم لا يُبنى بالنوايا وحدها. كم تحتاج الدولة فعلياً لإعادة بناء التعليم بعد الحرب؟ كم خصصت من المال؟ وكم أنفقت؟ وما الجدول الزمني لسد الفجوة؟ وهل توجد أرقام واضحة يستطيع المواطن والصحفي والخبراء مراجعتها ومساءلة الدولة على أساسها؟

إذا كان التعليم أولوية وطنية، فيجب أن يظهر ذلك في الميزانية، لا في الخطب فقط.

والأمر نفسه ينطبق على صحة المعلم. لماذا لا توجد منظومة واضحة وفعالة تضمن للمعلم العلاج الذي يحتاجه، بما في ذلك الحالات التي تتطلب العلاج خارج السودان؟ ولماذا تختلف المزايا الصحية بين العاملين في مؤسسات الدولة؟ وعلى أي أساس تُحدد هذه الفوارق؟

هل قيمة الموظف الصحية تتغير بحسب المؤسسة التي يعمل فيها؟ وهل هناك دراسة حقيقية لتكلفة التأمين الصحي الشامل للمعلمين مقارنة بالخسائر التي تتحملها الدولة عندما يمرض المعلم، أو يغيب عن عمله، أو يضطر إلى إنفاق دخله المحدود على علاجه وعلاج أسرته؟

الدولة التي تقول إن المعلم أساس التعليم مطالبة أولاً بأن تجيب عن سؤال بسيط: ماذا فعلت بهذا الأساس نفسه؟

لأن المعلم الذي لا يملك حماية صحية كافية، ولا استقراراً معيشياً، ولا ضماناً واضحاً للعلاج، لا يمكن أن نطالبه وحده بحمل مشروع إعادة بناء التعليم.

ومن هنا تصبح مسألة الشفافية أكبر بكثير من مجرد رد على صحفي.

حين تسأل الصحافة عن عدد المدارس، وعن أموال إعادة الإعمار، وعن أوضاع المعلمين، وعن التأمين الصحي، فهي لا تعرقل عمل الدولة. هي تقوم بدورها في مراقبة هذا العمل ونقله إلى الناس. وإذا كانت الأرقام موجودة، فلماذا لا تُنشر؟ وإذا كانت الخطط موجودة، فلماذا لا تُشرح؟ وإذا كانت المؤسسات تعمل، فلماذا يحتاج الصحفي إلى مطاردة المسؤول حتى يحصل على إجابة؟

لا يمكن محاربة الشائعة بإخفاء المعلومة، ولا يمكن بناء الثقة بالصمت. الدولة التي تريد من المواطن أن يصدق روايتها عليها أن تمنحه المعلومات التي تمكنه من الحكم عليها.

وفي بلد يعيش حرباً وأزمة اقتصادية وانهياراً في قطاعات أساسية، يصبح التواصل الحكومي أكثر أهمية، لا أقل. وكلما زادت صعوبة الظروف، زادت حاجة الناس إلى مؤسسة تتحدث بوضوح، وتعترف بما لا تعرفه، وتشرح ما تعرفه، وتقدم أرقاماً يمكن التحقق منها.

أما أن يتحول مسؤول الإعلام إلى بوابة مغلقة، وأن يصبح السؤال الصحفي عبئاً، وأن تظل الإجابات معلقة لأيام وأسابيع وشهور، فهذه ليست طريقة لإدارة الإعلام في دولة تبحث عن إعادة بناء نفسها.

المطلوب ليس أن تجيب الحكومة عن كل سؤال فوراً، فهذا غير واقعي. المطلوب أن تكون هناك قواعد واضحة: متى يرد المسؤول؟ من يملك المعلومة؟ من يتولى التنسيق؟ ماذا يحدث إذا احتاج السؤال إلى وقت؟ ومتى يعرف الصحفي أن الإجابة لن تأتي أصلاً؟

هذه أبسط قواعد العمل المؤسسي.

فالصحفي ليس خصماً للدولة لمجرد أنه يسأل. والمسؤول ليس فوق المساءلة لمجرد أنه يجلس داخل مكتب حكومي.

وإذا كانت الحكومة تريد إعلاماً مهنياً، فعليها أن تبدأ بالتعامل المهني مع الإعلام. وإذا كانت تريد صحافة تتحرى الدقة، فعليها أن تساعد الصحفي في الوصول إلى المعلومات الدقيقة. وإذا كانت تريد من الناس أن يثقوا بها، فعليها أن تقدم لهم ما يجعل هذه الثقة ممكنة.

وفي النهاية، القضية ليست قضية صحفية لم تحصل على رد، ولا مسؤول إعلام تأخر في الإجابة، ولا وزارة قرأت رسالة ولم ترد عليها.

القضية أكبر من ذلك بكثير.

إنها قضية دولة تريد أن تعيد بناء التعليم، لكنها لم تجب بعد عن كيفية اختيار من سيعلّم أبناءها، ولا عن كيفية حماية المعلم الذي سيحمل هذا العبء، ولا عن حجم الأموال التي ستضعها لإعادة بناء المدارس، ولا عن حق المعلم في العلاج، ولا عن سبب اختلاف الحماية الصحية بين موظفي مؤسساتها.

وهي في الوقت نفسه دولة تريد من الصحافة أن تنقل الحقيقة، لكنها تترك الصحفي يطارد الحقيقة خلف أبواب مغلقة.

فإذا كانت الدولة لا تجيب عن الأسئلة، فمن سيحاسبها على الإجابات الغائبة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى