«صمود» في نيويورك.. من فوّضه ليتحدث باسم السودان؟

رانيا عمر:
كردفان تغيّر حسابات الحرب في السودان. فالقوات المسلحة السودانية أعلنت خلال الأيام الماضية استعادة 11 منطقة في شمال كردفان، ثم واصلت التقدم على أكثر من محور، في تطورات عسكرية تقترب من طرق وممرات مهمة لحركة القوات والإمداد بين كردفان ودارفور. وهذه التطورات لا تتعلق بأسماء المواقع التي تغير وضعها العسكري فحسب، وإنما تعيد ترتيب حسابات الحرب وتفرض نفسها على أي حديث عن مستقبل السودان ومساره السياسي.
ولا يمكن قراءة هذا التقدم باعتباره تطوراً ميدانياً معزولاً عن بقية المشهد. فكل تحول في مواقع السيطرة وحركة القوات ينعكس على الحسابات السياسية التي تُبنى حول الحرب، وعلى المواقف التي تتشكل في الخارج بشأن مستقبل السودان. وفي اللحظة التي كانت فيها هذه التطورات تتشكل داخل البلاد، كان تحالف «صمود» يتحرك في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مقدماً رؤيته بشأن وقف الحرب وحماية المدنيين ووصول المساعدات والدفع نحو مسار سياسي مدني.
والتقى رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، رئيس التحالف، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، في إطار هذه التحركات، حيث تناول اللقاء الحرب وتداعياتها الإنسانية، وسبل الدفع نحو وقف القتال، ودور المجتمع الدولي في دعم المسار السياسي.
ولا مشكلة في أن يتحرك «صمود» سياسياً أو أن يعرض رؤيته أمام المجتمع الدولي. لكن الوصول إلى المنصة الدولية شيء، وامتلاك التفويض للحديث باسم السودان شيء آخر تماماً. فالسؤال الذي يسبق كل هذه اللقاءات ليس ماذا قال «صمود» في نيويورك، وإنما: من الذي فوّضه أصلاً ليتحدث باسم السودان؟ من اختاره ممثلاً للسودانيين؟ وأين صدر هذا التفويض؟ وهل ما يطرحه هو موقف تحالف سياسي، أم يُقدَّم إلى الخارج باعتباره موقف السودانيين جميعاً؟
وهذا السؤال لا يتعلق بالألقاب أو بعدد اللقاءات التي يعقدها أي وفد، وإنما بجوهر التمثيل نفسه. فالاجتماع بمسؤول دولي لا يصنع تفويضاً شعبياً، والظهور في أروقة الأمم المتحدة لا يمنح تحالفاً صفة تمثيل دولة، كما أن الحديث عن السلام والانتقال المدني لا يحسم وحده سؤال من يملك حق الحديث باسم ملايين السودانيين.
ومن هنا تكتسب تصريحات كاميرون هدسون، المتخصص في الشؤون الأفريقية والمسؤول الأمريكي السابق، أهمية خاصة. فقد رأى هدسون أن رسالة «صمود» ستكون أقوى وأكثر مصداقية إذا نقل عبد الله حمدوك وبقية قيادات التحالف أسرهم خارج الإمارات، وتوقفوا عن تلقي الأموال أو الدعم المرتبط بأبوظبي، إلى جانب اتخاذ موقف واضح يدين جرائم مليشيا الدعم السريع.
واللافت في حديث هدسون أنه لم يضع المسألة في معادلة تقول إن معارضة الحرب تعني تأييد القوات المسلحة السودانية، أو أن رفض مليشيا الدعم السريع يعني بالضرورة تأييد القوات المسلحة. بل فصل بين الموقف من الحرب وبين مواقف القوى السياسية وعلاقاتها الخارجية. وبذلك انتقل النقاش من الشعارات العامة إلى أسئلة أكثر تحديداً حول استقلال القرار السياسي، ومصادر الدعم، والمواقف من الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع.
وعندما تدخل مسألة الدعم والعلاقات الخارجية إلى هذا النقاش، تصبح الإمارات حاضرة بالضرورة. فالحكومة السودانية قطعت العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي في مايو 2025، واتهمتها بدعم مليشيا الدعم السريع، بينما نفت الإمارات هذه الاتهامات. ومنذ ذلك الوقت أصبحت علاقة أبوظبي بالحرب السودانية واحدة من أكثر الملفات حضوراً في النقاش الإقليمي والدولي حول الصراع.
ولم يعد هذا النقاش محصوراً في الخرطوم وأبوظبي. فالأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دعا في سبتمبر الجاري إلى مساءلة الدول التي توفر الأسلحة للأطراف المتحاربة عندما تُستخدم هذه الأسلحة في مهاجمة المدنيين، وقال إن التدخل الخارجي يساهم في استمرار الحرب وتفاقم معاناة السودانيين.
ولأن مسألة العلاقات الخارجية لا يمكن فصلها عن الحسابات السياسية المحيطة بالحرب السودانية، فإن الخلافات المتصاعدة مع أبوظبي في المنطقة تستحق التوقف عندها. فقد أعلنت الجزائر في العاشر من سبتمبر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، وقالت إن القرار جاء بعد ما وصفته بأعمال «استفزازية أو عدائية» من جانب أبوظبي، من دون أن تربط رسمياً قرارها بالملف السوداني.
ولا يعني ذلك أن الموقف الجزائري من الإمارات هو موقف من الحرب السودانية، لكن الإشارة إليه هنا تضع علاقة أبوظبي بعواصم المنطقة في سياق أوسع من الملف السوداني وحده، وتوضح أن مسألة العلاقات الخارجية والحسابات الإقليمية لا يمكن فصلها عن النقاش حول استقلال القرار السياسي.
وسط هذه الصورة، تأتي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في لحظة لا تشبه ما كانت عليه الحرب قبل أشهر. فالمشهد داخل السودان يتغير، والقوات المسلحة السودانية حققت تقدماً في كردفان، بينما تواصل مليشيا الدعم السريع القتال في مناطق أخرى، وهو ما يجعل التطورات الميدانية جزءاً أساسياً من أي حساب سياسي يتعلق بمستقبل البلاد.
وفي المقابل، يتحرك الوفد الرسمي للسودان في المحفل الدولي نفسه. ويقود الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، الوفد السوداني إلى الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، على أن يلقي كلمة السودان في الرابع والعشرين من سبتمبر.
وجود الوفد الرسمي للسودان في هذا المحفل يكتسب أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة داخل البلاد. فالتقدم الذي أعلنته القوات المسلحة السودانية في شمال كردفان، واستمرار الضغط على مواقع مليشيا الدعم السريع، يدخلان في الحسابات التي تتشكل حول الحرب ومستقبلها. ولذلك لا يمكن فصل أي نقاش سياسي يجري خارج السودان عن الوقائع التي تتشكل داخله.
وهنا يعود النقاش إلى أصل المسألة: التمثيل. فالمجتمع الدولي قد يستمع إلى قوى سياسية ومدنية متعددة، لكن الاستماع إلى صوت ما لا يمنحه تلقائياً صفة تمثيل شعب كامل. وعندما يُقدَّم موقف تحالف سياسي إلى الخارج باعتباره موقف السودان، يصبح من حق السودانيين أن يسألوا عن مصدر هذا التفويض وحدوده.
السودان ليس تحالفاً سياسياً، ولا مجموعة من الشخصيات يمكن أن تتحدث باسمه لمجرد أنها سودانية أو معروفة في الأوساط الدولية. التمثيل السياسي يحتاج إلى أساس واضح، والحديث باسم شعب كامل يحتاج إلى تفويض يعرف السودانيون مصدره وحدوده.
ولهذا فإن القضية ليست في عدد الاجتماعات التي عُقدت في نيويورك، ولا في أسماء المسؤولين الذين التقاهم أي وفد، وإنما في الصفة التي يُقدَّم بها هذا الصوت إلى العالم، والأساس الذي يستند إليه عندما يتحدث عن السودان ومستقبله وشعبه.
ويبقى على تحالف «صمود» أن يجيب: من فوّضه ليتحدث باسم السودان؟




