مقالات

منعتني دخول أراضيها.. إيش اللي عاجبني فيها؟

صرير القلم

د.معاوية عبيد: 

منعتني دخول أراضيها… إيش اللي عاجبني فيها؟
هي جزء من مطلع قصيدة شعرية شهيرة وجريئة للشاعر اليمني المعروف مصطفى المومري والتي ألقاها بأسلوبه الحماسي الساخر المعتاد وانتشرت بشكل واسع جداً كـ ( تريند ) على منصات التواصل الاجتماعي ،القصيدة تعبر بشكل ساخر وعفوي عن مشاعر عدم الاكتراث أو اللامبالاة بقرار بعض الدول منع دخول المواطنين إلى أراضيها حيث يتابع الشاعر في قصيدته متسائلاً بتهكم عما يوجد في تلك الدول لكي يتحسر عليه مقللاً من أهمية السفر إليها ومؤكداً على اعتزازه بأرضه ، ربما لم يكن الشاعر حين أطلق هذه العبارة الساخرة في قصيدته يقصد أكثر من السخرية من قرار المنع والتقليل من شأن الدول التي أُغلقت أبوابها في وجهه لكنها عبارة تختصر في لحظة واحدة شيئاً عميقاً في وجدان الشعوب : ( أن قيمة الإنسان لا تُقاس بباب فُتح له أو باب أُغلق في وجهه ) .
وللسودانيين مع الأبواب المغلقة حكاية طويلة فنحن شعبٌ تربّى على أن الكرامة والسيادة خط أحمر كما يقولون وأن الوطن يعلو فوق الجميع ( جدودنا زمان وصونا علي الوطن … علي التراب الغالي الما ليه تمن ) … منذ ود حبوبة وعثمان دقنة وعبد الفضيل الماظ وعلي عبد اللطيف ظل في الذاكرة السودانية ذلك المعنى القديم : أن الإنسان قد يخسر حياته لكنه لا يبيع كرامته و لا سيادة ارضه و وطنه . وحين جاء المحجوب إلى إحدى القمم العربية ولم يجد علم السودان في المكان المخصص لبلاده لم يبحث عن موظف ليشكو إليه ولم ينتظر من أحد أن يرد إليه اعتباره أخرج منديلاً وكتب عليه(السودان ) ، قد يبدو الموقف بسيطاً في تفاصيله لكنه في الوجدان السوداني أكبر من المنديل الذي اصبح
علماً حين غاب العلم ووطنًا حين حاول المكان أن يتجاهل الوطن، وفي ذاكرة السياسة السودانية مواقف كثيرة نُسبت إلى الرئيس جعفر نميري في مواجهاته مع عدد من الدول ومواقف أخرى للرئيس عمر البشير في مخاطبته الولايات المتحدة الأمريكية ومنها عبارته الشهيرة التي قال فيها : (أمريكا تحت جزمتي هذه) .
هناك شهداء سقطوا وهم يعرفون أن الطريق أمامهم قد لا يكون طريق عودة وهناك روايات كثيرة عن رجال واجهوا الموت وهم يكتبون بالفعل أو رمزاً الفصل الأخير من حياتهم بعبارة واحدة : ( السودان أولاً ) ، ومن بين تلك القصص ما يُتداول عن ال(٣٥) ضباط و جندي الذين استشهدوا في بدايات حرب الكرامة عند بوابة القيادة العامة وعن القادة والجنود الذين واجهوا الموت في مواقعهم وعن ذلك القائد الذي يُروى أنه حفر قبره بيده قبل أن يواصل أداء واجبه وهكذا ظلت الحكايات السودانية تتناقل مواقف الرجال الذين لم يكونوا يرون في التراجع فضيلة حين يتعلق الأمر بالكرامة والسيادة الوطنية من مواقف الزعماء والسياسيين إلى مواقف الجنود الذين وقفوا في ميادين القتال ظلت هناك فكرة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة: (السودان لا يطأطئ رأسه) ، ولعل أقسى ما في الحرب السودانية أنها لم تختبر قدرتنا على حمل السلاح فقط بل اختبرت قدرتنا على الاحتفاظ بمعنى الوطن وسط الركام،
قد تختلف الأجيال في تقييم تلك المواقف السياسية لكن ما بقي منها في الذاكرة الشعبية هو صورة الحاكم الذي أراد أن يقول إن السيادة الوطنية ليست سلعة للمساومة واليوم تعود الحكاية بصورة أخرى عندما حجبت الولايات المتحدة تأشيرة قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي كان مقرراً أن يشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك( ووفق تقرير لرويترز) فإن المسألة ارتبطت بمقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة( 90 ) يوماً فيما أُثير أيضاً جدل حول التزامات الولايات المتحدة بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة ، هنا لا تعود القضية مجرد تأشيرة فالبرهان لم يكن ذاهباً إلى نيويورك في رحلة سياحية وإنما إلى منصة دولية يحمل إليها قضية بلاده في وقت يعيش فيه ملايين السودانيين آثار الحرب والنزوح والقتل والدمار ، وهنا يمكن أن نفهم العبارة الساخرة من جديد:
منعتني دخول أراضيها… إيش اللي عاجبني فيها؟
ليست القضية أن السودان لا يحتاج إلى العالم ولا أن أبواب الدول لا قيمة لها ولا أن العلاقات الدولية تُدار بالشعارات فالدول تحتاج إلى بعضها والدبلوماسية تحتاج إلى الحوار ، لكن ثمة فرقاً بين الحاجة إلى العالم وبين الارتهان للعالم .
قد تختلف التفاصيل والروايات حول بعض هذه الوقائع لكن الثابت أن الحرب خلقت في الذاكرة السودانية صفحات جديدة من البطولة والفداء ،
والآن إذا كان منع التأشيرة قد حال دون وصول البرهان إلى نيويورك فإن ذلك لا يعني أن قضية السودان قد مُنعت من الوصول الي منصات العدالة ، فالشعب السوداني يمتلك الدبلوماسية و ناصية الحديث ورئيس مجلس السيادة و اركان سلمه من الوزراء والمسؤولين بالدولة قادر علي سرد روايته وأدلته وايصال وصوته ويستطيع أن يقول للعالم : هذه هي قضيتنا،هذه هي معاناة شعبنا،هذه هي حقوق مواطنينا وهذه هي رؤيتنا للسلام ثم يترك لشعوب العالم المحبة للسلام أن تسمع وتحكم .
وسيظل السودان مهما اشتدت الرياح بلداً لا يطأطئ رايته ولا رأسه ، أما أبواب الدول فتُفتح اليوم وتُغلق غداً ، لكن الوطن هو الباب الذي لا يغلقه أحد …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى