مقالات

جمرك الصمت: العسجد، مدير الجمارك، وبيانات السودان في مهبّ الريح

د.أسامة سيدأحمد حسين: 

مداخلة في مقال الصحفي الباسل عزمي عبد الرازق عن شركة العسجد وامتناع مدير الجمارك عن المقابلة.
لم يكن مقال الأخ الصحفي عزمي عبدالرازق عن شركة العسجد مجرد كشفٍ عابر، ولا حجرًا أُلقِي في ماءٍ راكد ليرتدّ صداه ثم يخبو. كان صرخةً في وجه طبقةٍ من الصمت الرسمي، وشهادةً على أن ملف الموانئ والمعابر الجمركية لم يعد ملفًا اقتصاديًا فحسب، بل صار قنبلةً موقوتة في قلب السيادة الوطنية. وما نكتبه هنا ليس تعقيبًا هامشيًا، بل مداخلةٌ في صميم ما نُشر، وامتدادٌ لسؤالٍ مشروع: من يحرس أبواب الدولة؟
كنا نظن أن الخيط يبدأ من وزارة المالية، وأن الأمر لا يعدو عقدًا تجاريًا مشبوهًا أو شركةً غامضة تتسلل إلى مفاصل الاقتصاد. لكن المطالبة الأخيرة كشفت أن الملف يُدار بمتابعة متواصلة من المدير العام لقوات الجمارك، الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم. هنا تعود القضية إلى الواجهة، وتتضح الصورة أكثر: ظهوره مع مبعوث الشركة الغامضة في أكتوبر 2025، توقيع عقد الشراكة، توريد ملايين الدولارات إلى حساباتٍ في الإمارات، وبيانات التجارة الخارجية الحساسة التي صارت في مهبّ الريح. فهل نحن أمام سوء تقدير إداري؟ أم أمام منظومةٍ أوسع تُباع فيها أسرار الدولة تحت لافتات التحديث والرقمنة؟
الأخطر ليس الرقم، ولا حتى الشركة. الأخطر هو النفوذ. عقدٌ واحد كفيل بمنح شركةٍ أجنبية مقرها دبي حق الاطلاع على واردات السودان من القمح والدواء والسكر والسلع الاستراتيجية، ومعرفة الموردين والأسعار وبلدان المنشأ وأنماط التجارة. أي منطقٍ أمني يقبل أن تُمنح جهةٌ خاصة، لا تخضع للرقابة السيادية السودانية، مفتاح خزانة معلومات هي جزء من الأمن القومي؟ وأي مسؤولٍ يوقّع على هذا البيع وهو يعلم أن المعابر التي يفترض أن يحرسها صارت شبكةً مفتوحة على الخارج؟
لم تكن شركة العسجد سوى القشرة الخارجية لثمرةٍ ممتدة الجذور، فخلف الأسماء اللامعة، والنظام الذي يحمل اسمًا تقنيًا معقدًا، تتكشف عملية استنزاف مالي وأمني منظم، والجمارك السودانية، التي ظلت تمارس الرقمنة والسجل القيمي منذ سنوات، لم تكن بحاجة إلى استيراد نظامٍ بلا حاجة، وتفويضه لشركةٍ غامضة، لتحصيل ملايين الدولارات من جيوب السودانيين دون خدمةٍ حقيقية واحدة. فإذا كان النظام الجديد يحمي التجارة، فلماذا لا يوقف التهريب؟ وإذا كان العقد قانونيًا، فلماذا لا يُنشر كاملًا أمام الرأي العام؟ وإذا كانت الشركة وطنية، فلماذا مقرها المنطقة الحرة بدبي؟
أما رفض مدير عام الجمارك مقابلة الصحفي عزمي عبد الرازق، فهو ليس تفصيلًا هامشيًا في هذه القضية، بل إدانة إضافية. توجه إلى مكتبه للاستفسار، فكان الردّ الصمت ورفض المقابلة. والمسؤول العام لا يملك ترف الصمت عندما يتعلق الأمر بالمال العام، والأمن القومي، ومصير المعابر. الصمت هنا لا يحمي أحدًا، بل يزيد الشكوك، ويمنح الفرضيات الثقيلة مساحةً للنمو: لماذا يهرب مدير الجمارك من أسئلة الصحافة؟ وماذا يخفي خلف هذا الباب المغلق؟ وإذا كان في جعبته ما ينفي، فلماذا لا يخرج به؟
نحن لا نطلق اتهاماتٍ جزافية، ولا نطالب بقطع رقبةٍ سياسية. نطالب بالحد الأدنى من الحقائق: نشر العقد، كشف المالكين الحقيقيين للشركة، توضيح التحويلات المالية إلى الإمارات، إخضاع بيانات التجارة الخارجية لرقابة سيادية، ومحاسبة كل من وقّع أو مرّر أو غطّى هذا ليس انتقامًا، بل دفاعٌ عن الدولة من أن تُباع في صمت.
تحية للزميل عزمي عبد الرازق الذي ألقى الحجر في البركة الساكنة. أما نحن، فسنواصل، ليس لأننا نريد إسقاط أحد، بل لأن صمت المسؤولين عن المال العام جريمة موازية وإن كان في جعبة مدير الجمارك ما ينفي، فليخرج به. أما الصمت، فليس دفاعًا… بل إدانةٌ إضافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى