سياحة وآثار وتراث

عطبرة.. حكاية القطار واللوري

هشام عباس زكريا:

كانت عطبرة فيما مضى مدينة كالطفل الرضيع تصحو على صافرات الورش وتنام كما شدى العطبراوي عند العودة مع الظلام من المصانع والحقول، كانت عطبرة طفلا لا يعرف (البامبرز) وعيد الميلاد واحتفالات التخرج من الروضة، كانت عطبرة طفلا تهدهده أصوات القاطرات عند القضبان لتجلب له النعاس كان يميز صوت القطار المغادر فينام على أنغام الرحيل وينتعش عند فتح (السيمافور) ليعلن وصول قطار جديد فتسري في جسد الطفل روح النشاط والعمل.
خرج القطار ولم يعد من عطبرة، لم يبحث عنه الناس، ولم تنشر صوره في الصحف والجدران ولم تنقل الإذاعات أوصافه وترجو ممن يتعرف عليه الاتصال بالمواطن السوداني. أصبح القطار (نعي أليم) انتشر دونما عزاء وصيوان وفاتحة.
خرج القطار وخيّم الحزن عند الملتقى في عطبرة فسقط الدمع من السيمافور والتابلت والبلنجة ورفرفت الرايات السوداء في العموم والورش والمسبك وجاءت إشارات التعازي من الأقاليم والأقسام وعمال الدريسة وناظر محطة (مسمار) والنقابات.
ذهب القطار من عطبرة وجاءت اليها (اللواري) و(الدفارات) و(القندرانات) وامتلأت أزقتها وشوارعها بالرقشات والأتوس واختفت (عجلات) عطبرة المشهورة ليحل محلها (الموتر) بأنواعها المتعددة ولا تكاد تجد (عجلاتي) في عطبرة فقد تحولت محالهم إلى أماكن لبيع اسبيرات المواتر وصيانتها.
لا أظن أن جيل نهاية التسعينات والالفينيات يتذكر ذلكم الصوت الخالد في محطة عطبرة مسوقاً لسلعة الباسطة (ما بالسمنة وكدة) تجد فيه لون وطعم ورائحة عطبرة حتى أصبح هذا الصوت جزءا من إحساسك بوجودك في المدينة، لقد ركب ذلك الصوت مع القطار وأيضا لم يعد حتى الآن.
ولكن الحياة لابدَّ أن تستمر ولو توقف القطار، فهنالك طريق التحدي وشريان الشمال وهناك نوع جديد من السفر عبر البصات والسيارات الخاصة وغيرها.


لا أدري ما سر العلاقة بين (القطار) و(اللوري)، مازالت تأسرني أصوات اللواري وهي تعلن المغادرة أوالقدوم. أشعر بالاطمئنان لو سافرت (باللوري) أكثر لو استخدمت البصات الحديثة ثمة علاقة بين سائق القطار واللوري فكلاهما في عمر متقدم في أغلب الأحيان ويحتفظان بذكريات وأحداث ومغامرات.
أسعد الناس من كان جاره بالحي سائق قطار بالمعاش فسيحكي لك كل يوم قصة جديدة ويخبرك عن أشخاص وأماكن ومواقف، أما إذا كان جارك سائق لوري ولو لم يكن بالمعاش فإنك بالطبع ستعيش معه كل يوم رواية جديدة وحدث جديد فسائقي القطار واللوري يتفقان في امتلاكهما لتقنيات رائعة من السرد لمخزن من القصص والحكايات.
ألا تجدون العذر لذلكم البجاوي الذي يستجدي سائق اللوري ليطربه (بالبوري) فيقول في الأغنية الشهيرة (يا اللوري عليك الله دق البوري) فدق البوري إعلان بحدوث نبأ سعيد ووصول شخص عزيز تماماً كما خاطب الشاعر المهندس علي محجوب قطار الشوق متين ترحل ترسينا.. نزور بلداً حنان أهلها.. ترسى هناك ترسينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق