لماذا لا يتوقف السودان عن إنتاج الانقلابات؟
بحث في الجذور العميقة لظاهرة تبدو سياسية أكثر من كونها قدراً

مقاربة نقدية في كتاب “الجيش السوداني والسياسة” للكاتب عصام ميرغني (6-7)
بقلم/ وائل عبدالخالق مالك:
عندما نتابع خيط العلاقة المتشابكة بين الجيش والسياسة في السودان منذ تدخل 1958، مروراً بمايو وصراعاتها الداخلية، ثم معركة التمكين والتصدي في 1990، وفشل المعارضة في صناعة بديل عسكري في التسعينات نكتشف أن الظاهرة ليست سلسلة أحداث معزولة بل أجزاء من مشهد واحد أعمق. فالانقلابات بالسودان ليست طوارئ عسكرية تظهر فجأة بل رد فعل متكرر لبنية سياسية عاجزة عن إدارة نفسها.
ولهذا يصبح السؤال لماذا كثرت الانقلابات؟ سؤالاً ناقصاً.
الأدق أن نسأل ما الذي يجعل البيئة السياسية في السودان تنتج الانقلاب قبل أن تنتج الحل السياسي؟
وهذا هو جوهر ما يناقشه كتاب الجيش السوداني والسياسة في فصله حول الإحصاءات والانقلابات.
فالأرقام ليست أرقاماً فقط بل إشارات إلى مرض سياسي يرفض أن يشفى مهما تغيّرت الوجوه والأنظمة.
الجملة التي تتردد دائماً السودان بلد الانقلابات تبدو أحياناً قدَرية، وكأن الجغرافيا أو الطقس أو المزاج الشعبي هو ما يصنع الانقلابات. لكن الأرقام التي يعرضها الكتاب تكشف العكس تماماً. فمنذ 1956 وحتى نهاية التسعينات أكثر من 12 انقلاباً ومحاولة انقلابية مقابل صفر في كينيا، ومحاولة واحدة في تنزانيا، وثلاث في إثيوبيا، وحوالي عشر في نيجيريا التي بنت بعد 1999 نظاماً سياسياً يتعلم من أخطائه ويعيد الجيش إلى ثكناته تدريجياً.
إذن المسألة لا علاقة لها بالقدر بل بغياب المؤسسات القادرة على منع الانقلابات مهما كانت الظروف. وهنا نصل إلى أن الدولة السودانية ظلت أكبر من السياسة وأصغر من الجيش.
بعض العقول الخاملة تتبنى سردية أن الانقلابات بسبب طموح الجيش، وهي سردية سهلة ومريحة ولكنها لا تفسر شيئاً حيث هناك جيوش كثيرة مرت بظروف مشابهة ومع ذلك بقيت خارج السياسة. والتاريخ الحقيقي يقول بأن الجيش السوداني لم يدخل السياسة لأنه طامع بطبيعته بل لأنه استُدعي إليها مرة بعد مرة في 1958 و 1969 و 1985 و 1989 و 2019.
كل تدخل تقريباً سبقته أزمة مدنية عميقة. المعادلة حسب ما يرويها البعض كانت بسيطة، فكلما فشل المدنيون في إدارة الصراع ظهر الجيش كحل سريع أو هكذا تخيل الجميع. بمعنى آخر الجيش دخل السياسة من باب الضرورة ثم تحوّل وجوده إلى عادة ثم أصبحت العادة مؤسسة.
3. البعض يرى أن التعدد الجغرافي والعرقي سبب في الانقلابات. هذا أيضاً تفسير متداول لكنه لا يصمد أمام المقارنة. فالسودان بلد واسع ومتنوع نعم ولكن الهند كمثال مقارن أوسع وأكثر تنوعاً ولم تتحول إلى نظام عسكري. وسوريا أقل تنوعاً بكثير ومع ذلك سقطت بالكامل في قبضة المؤسسة العسكرية. إذن التعدد ليس سبب الانقلاب، فالتعدد يصبح مشكلة عندما لا توجد مؤسسات تدير هذا التعدد. والمؤسسات في السودان منذ الاستقلال كانت أضعف من أن تحتوي الأحزاب فضلاً عن الجيش. إذن ليست الجغرافيا وليست الهويات بل الدولة الناقصة.
الحلقة المفرغة التي يدور فيها السودان منذ إستقلاله هي أن المدني يُضعف الدولة فيتدخل الجيش، والجيش يعيد إنتاج الضعف.
عندما نستعرض السلسلة الزمنية، نجد نمطاً ثابتاً يتمثل في صراع حزبي يُسقط الحكومة ثم انقلاب عسكري يعتبر نفسه المنقذ ثم تصفيات داخل الجيش لحماية النظام كما يقود الي احتقان سياسي وتنظيمات سرية داخل المؤسسة ومحاولات انقلاب مضاد وهكذا تستمر الدائرة الشريرة من 1958 إلى مايو 1969، ثم إلى تنظيمات 1974–1985، ثم مذكرة الجيش في 1989، ثم تمكين التسعينات وصولاً إلى انقسام ما بعد 2019. ما من دولة تستطيع أن تستقر إذا كانت المؤسسة العسكرية نفسها مسرحاً للصراع السياسي.
التجارب المقارنة في دول مثل غانا ونيجيريا والبرازيل وتشيلي تشير إلى ثلاثة شروط لكسر الحلقة:
أولاً: شرعية سياسية مستقرة وهنا لا أعني فترة انتقالية بل نظاماً حزبياً لديه بنية تنظيمية قادرة على الحكم وليس مجرد أسماء كبيرة على رأس أحزاب من ورق.
ثانياً: إعادة تعريف دور الجيش ليس عبر التوجيه السياسي بل عبر قوانين واضحة وميزانية شفافة ورقابة برلمانية وتراتبية مهنية لا تقبل التسييس.
ثالثاً: مؤسسات تحجب غريزة المنقذ تتمثل في محكمة دستورية قوية ونظام انتخابي واضح واقتصاد قادر على امتصاص الأزمات.
في السودان، لم تتوفر هذه المطلوبات. فكان الانقلاب دائماً الخيار الأسرع والأقل تكلفة في المدى القصير وإن كان الأخطر في المدى الطويل.
التجارب المقارنة تقول يمكن أن يخرج العسكر من السياسة فعلاً في حالة واحدة هي إذا غيّر المدنيون قواعد اللعبة أولاً. فالجيش لن ينسحب من السياسة إذا ظل المدنيون يستعينون به كلما انهار تحالف أو انشق حزب أو سقط اتفاق. والمدنيون لن يستطيعوا الحكم إذا ظل الجيش يرى أن دوره يبدأ حيث ينتهي فشل الأحزاب. فالانسحاب لا يحدث بالأمنيات بل بمؤسسات تجعل من تدخل الجيش خياراً مكلفاً، لا طريقاً مختصراً.
الانقلابات في السودان ليست قدراً جغرافياً، وليست هواية عسكرية، وليست عقدة نفسية في المجتمع بل هي نتيجة مباشرة لغياب الدولة الحديثة المتمثلة في دولة بقضاء مستقل وأحزاب منظمة وبرلمان له سلطة حقيقية وجيش يعرف حدوده ويتقن دوره.
ما لم تُبنَ دولة تمتلك مؤسسات قادرة على امتصاص الصراعات سيظل السودان يعيد إنتاج الانقلاب كل عشر سنوات بالوجوه ذاتها وبالمنطق ذاته.



