مصر وأخوان السودان من “خندق التناحر” إلى “مربع التناصر” – 2 –

بقلم/ الهادي محمد الأمين:
أسئلتنا السابقة كانت حول كيف احتوت الدولة العميقة وهي (مصر) الدولة العقيدة وهي (السودان) ؟ وكيف يُفهم أو يُقرأ الإنتقال والتحول في علاقة (مصر) مع الإنقاذيين لدرجة تشكل لهم مظلة ضمن سياساتها الخارجية على الرغم من أن (مصر) تعتبر مواطنيها من الأخوان المسلمين المصريين عدو للأمن القومي المصري من الدرجة الاولي وتصنفهم كإرهابيين عاليْي الخطورة وتضع غالب قيادات الداخل في المعتقلات والزنازين وقيد المحابس وتحكم على آخرين بالمؤبد مع الأشغال الشاقة وتلاحق البعض منهم المقيم خارج (مصر) في ذات الوقت تحتضن رصفائهم السودانيين بكل أريحية وكرم حاتمي ؟ .
– فعلاقة الإنقاذيين على المستوى الإقليمي والدولـي كانت مرتبطة إلى حد كبير بـ (قطر، الجزائر، العراق، ماليزيا، تركيا، إيران وبريطانيا) وكانت سيئة للغاية لدرجة التوتر والقطيعة مع (مصر) ومتأرجحة يحيط بها قدر من الضبابية ويكتنفها الغموض مع (إثيوبيا، إرتريا، ليبيا وتشاد) وغير مستقرة وبها فتور مع بقية بلدان (الخليج العربي) التي كانت تحتضن (اخوان السودان) قبل ظهور (قطر) كلاعب جديد في المشهد الإقليمي والدولي خاصة (السعودية) و (الكويت) التي وقعت تحت الإحتلال العراقي في عهد صدام حسين الذي وجد المناصرة من (الخرطوم) التي خاصمت (السعودية) لتخطب وُد (بغداد) كحليف جديد بعد إستجلاب القوات الأجنبية لـ (شبه الجزيرة العربية) لطرد صدام حسين من (الكويت) في (عاصفة الصحراء) فعارضت الإنقاذ خطوة (السعودية) واستقدامها للقوات الأجنبية وارتفعت أصوات عالية من داخل كابينة القيادة وعبر برنامج الحديث السياسي الصباحي – عبر دعاية وحملة إعلامية قوية ومكثفة بشكل راتب ومنظم – بكيل الإتهامات وتوجيه سهام النقد الحادة للقيادة (السعودية) من شاكلة (الحد الحد فهد ارتد) و (خادم الحرمين خائن الحرمين) و (فهد أمريكا المفروض) وغيرها من المصطلحات التي أخرجت من القاموس الجديد للإنقاذ هذا إلى جانب دعم الإنقاذ وتشجيعها التحريضي لـ (تيار الصحوة الإسلامي) الخليجي الذي عبّر عن نفسه بقوة كحركة شارع أثناء وبعد حرب الخليج الثانية كما ساءت العلاقة بـ (القاهرة) لدرجة التوتر والتدهور حيث وضعت القوات المصرية بدها على مثلث (حلايب وشلاتين) وانتشرت متقدمة في (أبورماد) تلي ذلك وكرد فعل سودنة (جامعة القاهرة بالخرطوم) وتحويلها إلى (جامعة النيلين) وتنظيم تظاهرات من (حركة الطلاب الإسلاميين الوطنيين) مؤيدة لقرار السودنة الخاص بـ (جامعة القاهرة فرع الخرطوم) ومدرسة جمال عبد الناصر وكل مدارس الري المصري بـ (الخرطوم) ومدن الولايات الأخرى – رافعين شعارات وهتافات (السودان دولة لن تتضرر وحلايب لا بُد تتحرر) حيث تم طرد جميع المصريين العاملين في (جامعة القاهرة بالخرطوم) والمدارس المصرية واستلمت (الخرطوم) ممتلكات وأصول كل هذه المؤسسات .
– المهم حاول حسن الترابي باعتباره (مهندساً للإنقاذ) إستلاف أو تقليد آية الله الخميني ومحاكاة نظام الملالي واستنساخ (التجربة الإيرانية) وتعديل النسخة الإيرانية خاصة في النظام السياسي والتجييش والتمليش والتحشيد وعسكرة المجتمع لتتماشي مع مناخ الإنقاذ وان يكون هو (الفقيه والإمام والخليفة) صاحب الكلمة وصانع القرار وبيده المفاتيح والكوت والأوراق محتفظاً بالسلطتين الدينية والسياسية – من وراء حجاب وجُدُر – من خلال الإمساك بجميع خيوط وخطوط اللعب (كمرجعية فكرية) ورجل الوقت الإستثائي الأوحد من خلال الشخصية الكارزمية (النفوذ والتأثير الديني) وان تكون له قدسية وهيبة (اب روحي) لا تقل إن لم تزد أو تتجاوز بمحطات كثيرة ومساحات كبيرة قدسية إمام الأنصار (الصادق المهدي) وزعيم الختمية والميرغنية (محمد عثمان الميرغني) مع قوة التنظيم (القوة الخفية) أو (السوبر تنظيم) من خلال بناء وتأسيس أصولية جديدة بطابع إقليمي والسير على خطي الخميني في منهجه المعروف بـ (السياسات التوسعية) و (تصدير الثورات) والتخطيط للإنقلابات داخل دول الجوار بدعم لوجستي مباشر من حكومة الإنقاذ وأجهزتها واذرعها السرية واجنحتها العسكرية فأصبح مؤسس الإنقاذ هو (خميني إفريقيا) ونظام الحكم في (السودان) هو (إيران الثانية) – النسخة الإفريقية – لتجد (مصر) نفسها في مواجهة تجربة إيرانية جديدة ومُطوّرة من جارة في الإتجاه الجنوبي وتجد (السعودية) نفسها في مواجهة (إيران) – النسخة الإفريقية – من الناحية الغربية فالسياسات الداخلية والخارجية (حالة الإستعداء) باعدت بين الإنقاذ من جهة وبلدان (الخليج العربي) من جهة ثانية و (مصر) من جهة ثالثة ووصلت لمرحلة القطيعة والتوتر بعد تفجيرات (الخبر) في (السعودية) ومحاولة إغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسنى مبارك في (أديس أبابا) سبق ذلك إحتضان (الخرطوم) لـ (الجماعة الإسلامية وحركة الجهاد المصريتيْن) ثم إتجاه (الخرطوم) لتأسيس الأنْوية السرية والتشيكلات العسكرية للدفع بها نحو (الصومال) ودعم حركة الجهاد الإسلامي الإرتري المعارِضة لإسياسي افورقي والذي بادر بدوره رد التحية عبر المعاملة بالمثل من خلال ستضافة القوى السودانية المعارضة بشقيها المدني والعسكري في (اسمرا) .
– إلى جانب نقل (التجربة الإيرانية) كذلك حاولت الإنقاذ في معرض إعجابها بالتجارب حول العالم إسنتساخ (حالة ماليزيا) في عهد مهاتير محمد الذي كان محط إعجاب (اخوان السودان) لإسقاطها على الواقع السوداني وكذلك نقل (التجربة الليبية) تقليداً للقذافي صاحب (الكتاب الأخضر) في جانب عقد المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنظم السياسية بشكلها الأفقي ثم ذهبت تلقاء (أنقرة) لتلتحف أثواب (التجربة التركية) في عهد نجم الدين أربكان ثم حاولت الإنقاذ تخليق وبناء (الأمميات) عبر صناعة الإصطفافات الآيدولوحية عابرة الحدود والمنظومات والتوليفات ذات الأبعاد الخارجية والإمتدادات الإقليمية العقائدية عبر تنظيم عالمي جديد (المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي) مع رديف راديكالي آخر أطلق عليه (الجبهة الإسلامية المقاتلة) ومحاولة توحيد جبهة المؤمنين – أصحاب كل الملل والنحل والديانات – لمواجهة جبهة الملحدين و (إستضافة مطاريد الدول) و (الملاحقين أمنياً والهاربين المحكومين في بلدانهم) وكذلك (المعارضين لأنظمتهم) و (مرافيت الأخوان المسلمين المتمردين على تنظيماتهم) خاصة بعد نهاية مرحلة (الجهاد الأفغاني) وتشتت المحاربين العرب وتشردهم وإنعدام المأوى والظهير والسند الإقليمي وهيأت لهم (الملاذات الآمنة) وتحولت (الخرطوم) إلى (دولة نُصرة) وحاضنة للمقاتلين الراديكاليين باعتبارهم (مستضعفين في الأرض) بعد أن أصبحوا مكشوفي الظهر تكاد تتخطفهم أجهزة الرصد والرقابة حول العالم التي كشرت عن انيابها وجهّزت مخالبها الجارحة بتقفي أثرهم لإصطيادهم فاحتوتهم (الخرطوم) التي أصبحت وطناً لمن لا وطن له واتجهت الإنقاذ كذلك إلى تمتين وتقوية شبكة علاقاتها الخارجية مع (حماس) و(حركة الجهاد) و (الفصائل الفلسطينية الأخرى) التي يقودها جورج حبش ونايف حواتمة وتوحيد صفوف المقاومة الفلسطينية عطفاً على تعزيز روابطها وحبالها السرية بـ (حزب الله اللبناني) و(حركة امل الشيعية) و(الحرس الثوري الإيراني) والمنظومات العقائدية في (العراق) وقبل ذلك إهتمامها بتطوير (حركة الجهاد الإسلامي الإرتري) بزعامة قائدها عرفة محمد أحمد حيث نشأت الحركة داخل الأراضي السودانية وجمعت الحركة في رحاها وفي حالة نادرة المقاتلين الإخوانيين بالمقاتلين السلفيين في كيان قتالي واحد ثم رحبت الإنقاذ بأسامة بن لادن وجيشه المكون من المجاهدين الأفغان العرب بتشكيلاتهم المختلفة وفتحت لهم الأبواب المغلقة (سياسة الباب المفتوح) واجلستهم في مقاعد مريحة وعلى آرائك وثيرة علاوة على ترفيع (المركز الإسلامي الإفريقي) إلى (جامعة إفريقيا العالمية) ليكون مركزاً لإستقطاب وجذب الطلاب الأفارقة والشباب في بلدان (الشام) و (مصر) و (جنوب شرقي القارة الآسيوية) فكانت (الخرطوم) مصدر ومركز إزعاج وجدت سياساتها العدائية حالة من السخط وعدم الرضا بالنسبة لمنظومة دول (الخليج العربـي) و (مصر) والدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي صنفت (السودان) كدولة راعية وداعمة للإرهاب ووضعت (السودان) في اللائحة السوداء كدولة مقر ومعبر للإرهابيين والمقاتلين المتطرفين حول العالم وفي الأصل فإن الإنقاذ تأسست كمشروع محلي لمواجهة العديد من دول العالم على المستوى القريب والبعيد بما في ذلك (أمريكا) و (روسيا) و (أمريكا روسيا قد دنا عذابها علىّ إن لاقيتها ضرابها).
وأواصـل بإذن اللـه .



