مقالات

معالم من تاريخ السودان السياسي (1821-2021 (6)

د. عبدالكريم الهاشمي:

أكتوبر واحد وعشرين
يا صحو الشعب الجبار
يا لهب الثورة العملاقة
يا ملهم غضب الأحرار

1

توفرت بعض العوامل والظروف التي ساعدت على قيام ثورة أكتوبر وساهمت في تضجر وتململ الشعب السوداني ودفعه للخروج إلى الشارع تضامنا مع الحراك الثوري الذي إبتدره طلاب جامعة الخرطوم بإقامة ندوة شهيرة كانت الشرارة الأولى لثورة اكتوبر وكان ذلك في يوم الاربعاء 21 اكتوبر حيث تناولت المعالجات الدستورية الممكنة لحل مشكلة جنوب السودان تحدث فيها القيادي الإسلامي حسن عبد الله الترابي وحضرها جمع غفير من الطلاب حيث أدلى دكتور حسن الترابي ببعض الآراء التي اججت والهبت حماس الحاضرين حيث نفذ من خلال طرحه لرؤيته لما يعانيه الشمال من افتقاد للحرية وغلاء في المعيشة وعدم إحساس المواطنين بدورهم في بناء الوطن فضلا عن الصراع الدائر في جنوب السودان حيث قال “حل مشكلة الجنوب يكمن في حل مشكلة الشمال ويكمن حل مشكلة الاثنان معا في زوال الحكم العسكري وقيام حكم دستوري مؤسس على الخيار الديمقراطي للشعب” الامر الذي أثار حفيظة قوات الأمن التي كانت تحيط بمكان الندوة حيث نشبت جراء ذلك مناوشات طفيفة بين قوات الأمن والطلاب المشاركين في الندوة تطورت إلى تظاهرات عارمة جابت ارجاء الجامعة وارتفعت الهتافات التي تطالب بإسقاط حكومة الفريق عبود وفي تلك الأثناء سمع صوت طلق ناري سقط على إثره قتيلا الطالب “أحمد القرشي طه” الأمر الذي خلف حالة من الصدمة وسحائب من الحزن حيث شكل هذا الحادث شرارة حقيقية لثورة اكتوبر. شيع الطالب “أحمد القرشي طه” في موكب مهيب صباح الخميس 22 أكتوبر حضره زعماء الأحزاب والنقابات والهيئات تقدمهم الزعيم إسماعيل الأزهري والسيد الصادق المهدي وعبد الخالق محجوب ود. حسن الترابي حيث أجج تشيعه ينابيع الثورة في نفوس الطلاب فاتسعت دائرة المشاركة في الحراك الثوري فانضم إلى طلاب جامعة الخرطوم طلاب المعاهد والجامعات الأخرى وطلاب المدارس الثانوية والنقابات والهيئات وبدأ الحراك الثوري يتنامى ويتمدد سريعا وبدت قيادته الميدانية تتشكل فكان يوم السبت 24 أكتوبر 1964م هو البداية الفعلية للحراك الثوري بشكل مخطط حيث إنطلقت فيه تظاهرات زحفت نحو القصر الجمهورى تردد هتاف “إلى القصر حتى النصر” حيث حدثت مواجهة بين السلطات الأمنية والمتظاهرين مما دفع السلطات الأمنية لإطلاق النيران على المتظاهرين مما أدى لسقوط العديد من القتلى فيما عرف “بحادثة القصر”.

تصاعدت رزنامة الحراك ففي يوم الأحد 25 أكتوبر إجتمع زعماء أحزاب الوطني الاتحادي والأمة والاخوان المسلمون والشيوعيون حيث اجازوا القرار الخاص بالعصيان المدني والإضراب السياسي وهكذا تواصلت التظاهرات. في خضم هذه الأحداث التي كانت تحدق بحكومة الفريق عبود ظهرت بوادر إنشقاق داخل الجيش حيث اصدرت مجموعة من ضباط الجيش أطلقوا على أنفسهم “الضباط الأحرار” بيانا في يوم الأثنين 26 أكتوبر 1964م أعلنوا فيه تضامنهم مع الشعب وإنحيازهم للحراك الثوري. في مساء يوم الإثنين 26 اكتوبر 1964م أصدر الفريق إبراهيم عبود بيانا حل بموجبه المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمجلس المركزي وخرجت في الحال جماهير الشعب في الطرقات إحتفالا بالنصر.
2
في أعقاب هذه الاحداث تكونت جبهة الهيئات بمبادرة من أساتذة جامعة الخرطوم واتحاد طلابها وتبلورت الفكرة في الجمعة الموافق 23 أكتوبر 1964م وضمت في عضويتها أساتذة جامعة الخرطوم ونقابة المحامين والأطباء والمهندسين واتحاد العمال والمزارعين (مجموعة دار الأساتذة) وعلى صعيد آخر تكونت الجبهة القومية الموحدة من احزاب الوطني الاتحادي وحزب الامة والختمية والاخوان المسلمون (مجموعة قبة المهدي) لتتولى قيادة الحراك ضد الحكم العسكري مستخدمة سلاح الإضراب السياسي والعصيان المدني والتظاهرات وسيلة لذلك مما أدى لإصابة البلاد بالشلل والتوقف. حاول الفريق عبود استجماع قواه بعد أن خرجت الأمور عن سيطرته وذلك بمغازلة الشارع لتهدئته فدعا لحوار وطني ووعد بتشكيل حكومة انتقالية تتولى إدارة الحكم في البلاد كما دعا القوى السياسية للتشاور حول المخرج من الازمة بعد حل المجلس الاعلى للقوات المسلحة والمجلس المركزي وهنا نشب خلاف بين القوى السياسية التي تعمل تحت مظلة “جبهة الهيئات” وتلك التي تعمل “الجبهة الوطنية” حيث تم الإتفاق على العمل تحت جسم موحد “الجبهة القومية المتحدة” لتنسيق الجهود والمواقف. في يوم الخميس 29 أكتوبر 1964
تم الإتفاق بين القوات المسلحه و”الجهه القوميه المتحده” على اعاده العمل بدستور 1956 مع بعض التعديلات ليكون دستور 1964 وعلى أن تشكل حكومه انتقاليه مدتها سته شهور حيث تم إختيار الاستاذ سر الختم الخليفه رئيسا لها على أن تشمل 8 وزراء من “جبهه الهيئات” وخمسة وزراء من “الجبهة الوطنية” وزيرين من جنوب السودان. تم إختيار وزراء الجبهة الوطنية من الحزب الوطنى الاتحادى وحزب الامه وحزب الشعب الديموقراطى والحزب الشيوعي وحزب الاخوان المسلمون كما أقر الإجتماع بقاء الفريق عبود رئيساً للدوله .أعلن الاتفاق وتم تشكيل الحكومه فى يوم الجمعه 30 أكتوبر 1964 وأُعلن بذلك انتصار الثوره التي لم يتجاوز عمرها الثلاثة أسابيع حتى ذهبت بنظام الفريق إبراهيم عبود الذي سيطر على مقاليد الحكم في نوفمبر 1958م بتقويض أول نظام ديمقراطي في السودان.
3
بعد مرور نحو اسبوعين من الإتفاق الذي تم بموجبه تشكيل الحكومة تواترت انباء أفادت بان اعضاء المجلس العسكري السابقين بقياده اللواء حسن بشير نصر ومبارمة راس الدوله الفريق عبود يعتزمون القيام بانقلاب عسكري واجهاض ثوره اكتوبر مما دفع الشعب للخروج فى تظاهرات عارمه في يوم 15 نوفمبر 1964م ووضعت المتاريس من الحجارة والعربات فى الشوارع والطرقات منعا لتحرك دبابات ومجنزرات وعربات قوات الأمن من وحيث سميت تلك الليله “بليله المتاريس” وخرجت جموع الشعب للشوارع تهتف ضد العسكر. سارعت القوات المسلحه لنفي تلك المزاعم ولكن دون جدوى حيث إزدادت وتيرة التظاهرات التي كانت تنادي بابعاد الفريق عبود من رئاسة لدوله ونتيجة للمد الثوري المتصاعد إضطر الرئيس إبراهيم عبود لإعلان تنحيه في يوم 15 نوفمبر 1964 بعد نحو إسبوعين من الإتفاق الذي تم بينه وبين القوى السياسية والذي إقتضى إستمراره في رئاسة الدولة وتولى مؤقتا رئيس الوزاراء سر الختم الخليفه رئاسة الدوله بجانب رئاسه الوزراء لحين اختيار مجلس سيادة.
يقول الدكتور أحمد السيد حمد “إن ليلة المتاريس كانت تخطيطا شيوعيا وقد شكلت بداية النهاية أو قل أول مسمار دق في نعش ثورة أكتوبر إذ تقلص بعدها التأييد الشعبي لجبهة الهيئات وانسحبت منها بعض الهيئات والمنظمات”. تم تسليم السلطة للمدنيين بعد إعلان الرئيس عبود تنحيه عن السلطة في يوم 15 نوفمبر 1964م وتم تشكيل حكومة مدنية برئاسة الاستاذ سر الختم الخليفة لفترة انتقالية عرفت بحكومة “جبهة الهيئات” أنهت ستة سنوات من الحكم العسكري (1958-1964) وبهذا يكون قد اكتمل سيناريو واحدة من أسرع النماذج الثورية في تاريخ العرب وإفريقيا.
لعل حكمة الرئيس إبراهيم عبود كانت سببا في تحقيق الثورة لأهدافها بهذه السرعه وذلك لتجنيب البلاد الإنزلاق في اتون حرب اهليه وتفويت الفرصة على المحاولات الرامية لإحداث وقيعة بين الشعب السوداني والمؤسسة العسكرية كذلك تجنيب البلاد المؤامرات الخارجية وهذا ما ذهب إليه الدكتور منصور خالد الذي قال “كان قراره بالتنحي عن الحكم هو قرار الرجل السوداني الكبير الذي يدرك معاني التراحم فقد أبى أن يكون البقاء على أجداث الرجال”
4
يعتبر الشعب السوداني أن ثورة إكتوبر من أعظم الثورات التي شهدها التاريخ الحديث والتي تضاهي عنده الثورة الفرنسية في عظمتها فهي تمثل حدثا مفصليا في تاريخ السودان المعاصر حيث قدمت أبرز النماذج في وحدة الصف السياسي والقدرة على تحقيق الغايات إذ تحالف فيها الشارع مع التيارات المختلفة للوصول للغاية المنشوده حيث تحالف الإخوان المسلمون والشيوعيون والمسيحيون وأبناء الشمال مع أهل الجنوب في ملحمة استطاعت إسقاط نظام الفريق إبراهيم عبود في أيام معدودة (تسعة أيام).
ظلت بصمة ثورة اكتوبر خالدة في الشعر والفن السوداني حيث إحتفى بها الشعراء والكتاب والمغنين واسرفوا في تمجيدها تقديسها وتعظيمها وتبجيل الاجيال التي شهدتها وشاركت فيها لدرجة الشطط والإفراط بل صارت سيفا يشهر في وجه الظلمة والجبارين حيث يقول الشاعر هاشم صديق في قصيدة ملحمة اكتوبر:
ولسه بنقسم يا أكتوبر
لما يطل في فجرنا ظالم
نحمي شعار الثورة نقاوم.
كنا أبدع شاعر الاكتوبريات محمد المكي ابراهيم في نظم العديد من القصائد التي تغنى بها كبار الفنانين:
باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني
الحقول اشتعلت قمحاً و وعداً وتمنّي
كان أكتوبر في أمّتنا منذ الأزل
كان خلف الصبر والأحزان يحيا صامداً منتظراً
حتى إذا الصبح أطل
أشعل التاريخ ناراً واشتعل.
كذلك تغنى الشاعر الفخيم محمد مفتاح الفيتوري لاكتوبر:
أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش
فارفعي راية اكتوبر فالثورة مازالت تعيش
وانا مازلت في البعد انادي يا بلادي.
يقول الأستاذ أحمد سليمان المحامي احد الفاعلين في حراك الثورة “أن ثورة أكتوبر كانت قمة المصالحة الوطنية بين الأحزاب وتجمعات المهنيين الذين شاركوا في حكومتها بصورة مباشرة”. ويذهب البروفيسور بركات موسى الحواتي إلى “انها انتفاضة Uprising وليست Revolution فالأولى خطوة تراكمية في اتجاه الثانية والتى يلزم أن تكمل أهدافها فى عملية التغبير لكى تكون بالفعل ثورة مثل الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية فالثورة قد تمر بمرحلة من الجمود تسمى Dysfunctional وهي المرحلة التي لم تتمايز فيها الصفوف بشكل واضح. ان التكييف العلمى لثورة اكتوبر هو انها انتفاضة”. كما يقول الدكتور علي إبراهيم “لا أعرف ثورة اكتنفها الشعر وأرخص بها النثر مثل ثورة أكتوبر حيث بلغ احتفاء الشعر والغناء بها أن أجاب طالب على سؤال صحيفة في ذكرى الثورة عن مدى معرفته بها فقال إنه لم يسمع بها إلا في الأغاني الوطنية وما سمعه منها يدل على أنها كانت ثورة قيمة”. أيضا يقول الأستاذ أحمد محمد شاموق مؤلف كتاب ثورة أكتوبر “لم يبق منها سوى أشباح أسئلة وتخرصات”. أما الكاتب المصري فهمي هويدي شهد باكرا بأن ثورة أكتوبر 1964 هي الحالة الأولى التي أزاح فيها شعب عربي أعزل ديكتاتورية متمكنة وفرض على القوات المسلحة أن تقف إلى جانبه”.
سنتناول في المقال القادم مسيرة حكومة سر الختم الخليفة الإنتقالية وكيف انها تعرضت لهزات ادت لحلها وإعادة تشكيلها ونتناول إستراتيجيتها التي إنتهجتها في التعامل مع قضية جنوب السودان والقضايا الأخرى.
#نواصل…

Krimhashimi5@gmail.com
0912677147

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق