صحة وبيئةمقالات

السد الإثيوبي وتأثيره على السودان

بقلم/ د. الفاتح يس:

استوقفني خبر إعلان إثيوبيا إكتمال الملء الرابع لسد النهضة؛ هذا الخبر أثار موجة من الغضب في شوارع مصر وإستفزها وأرَّق مضاجعها؛ إلا أن الشارع السوداني لم يعر له إهتماما لا من الحكومة ولا من الصحفيين والإعلاميين؛ لأنها غارقة في دماء الحرب.
تسقط الأمطار وتنحدر المياه من الهضبة الإثيوبية إلى الأراضي السودانية عبر النيل الأزرق الرافد الرئيسي لنهر النيل والمتسبب الأول في الفيضانات والسيول التي تشكل أكتر من ٧٥% من حجم المياه بنهر النيل.

أقامت إثيوبيا سد النهضة في منطقة بني شنقور على بعد ٣٠ كلم من الحدود السودانية.

بناء السد الإثيوبي له إيجابيات على السودان؛ لأن السودان يعاني من الفيضانات والسيول المتكررة سنويا، والتي تدمر وتسبب خسائر في الأرواح والممتلكات وتدمر المزارع والمراعي.

هطول الأمطار في السودان أصبح على نمط غير ثابت في الأعوام الأخيرة؛ بفعل التغيرات المناخية، وبالاعتماد على البيانات والتصنيفات من مبادرة نوتردام للتكيف العالمي ومؤثر مخاطر المناخ الخاص ب Germanwatch، نجد أن السودان يعتبر سادس الدول تأثرا بالتغيرات المناخية، والأقل استعدادا للتكيف مع آثاره وضعف الاستجابة، والسودان يعاني من الجفاف؛ بفعل بعض النشاطات البشرية والصناعية مثل حفر آبار السايفون التي ربما تلوث المياه الجوفية وعدم وجود شبكات صرف صحي وصناعي وأيضا التعدين العشوائي الذي يستخدم فيه مادتي السيانيد والزئبق اللتان لهما دور كبير في تلوث مصادر المياه والشواطي التربة والمزارع والمراعي بانجرافها بواسطة السيول والفيضانات وتعيق نمو النباتات والحيوانات وهذا بدوره يؤدي إلى حدوث الجفاف الذي يؤدي إلى قلة الموارد ومن ثم فقدان المزارعين والرعاة مهنتهم ومزارعهم ومراعيهم، ومن ثم ظهور عملية الهجرة والنزوح بحثا عن الغذاء والمهن ومصادر الرزق والعيش الكريم الآمن، وكل هذه من آثار تغير المناخ.

أضرار الفيضانات في السودان ناتجة من التوسع العمراني والزراعي والرعي في مجاري السيول والأمطار والسهل الفيضي للنهر، وشواطئه، وهذا سببه غياب وعشوائية التخطيط.

أصبح هطول الأمطار في السودان متقلبا وتهطل في مناطق غير معهودة، والدليل على ذلك أن أمطار هذا العام قليلة مقارنة بأمطار العام الماضي ٢٠٢٢م والاعوام السابقة؛ وهذا ربما يكون بفعل التغيرات المناخية التي حدثت في السودان والدليل على ذلك هطول الأمطار في شمال السودان بعد بناء سد مروي.

منذ أمد بعيد نجد الفيضانات عبارة عن حادثة تتجدد سنويا وتؤرق مضاجع المسؤولين في السودان ومن قبلهم تؤرق مضاجع المواطنين الذين يتأثرون فعليا بها.

من إيجابيات سد النهضة الإثيوبي للسودان أنه يمكن أن يقلل من آثار خطورة الفيضانات على السودان؛ وبالرغم من أن السودان به ستة سدود على نهر النيل إلا أنها تقف خجولة وعاجزة أمام الفيضانات المدمرة؛ لأنها خزانات قديمة وسعاتها الاستيعابية للمياه صغيرة مقارنةً بحجم مياه الفيضانات والسيول، أضف إلى ذلك أن السودان بلد ليس لديه أي إمكانيات مادية وهندسية لمجابهة ظاهرة الفيضانات والسيول والأمطار المتكررة سنويا بسبب غياب التخطيط الحضري والمدني وبسبب تجاهل كل الحكومات السابقة التي تعاقبت على حكم السودان بملف الاستعداد والاستجابة لدرء آثار الفيضانات والسيول والاستعداد والاستجابة والتخطيط الفعلي لمجابهتها.

الفيضانات في السودان في العام الماضي كانت كبيرة جدا مقارنة بالأعوام السابقة، وربما يكون أعلى من عامي ١٩٨٨ و ١٩٤٦ على حسب رصد منسوب النيل منذ أن بدأ في عام ١٩٠٢. فيضان العام الماضي أحدث تدميرا كبيرا في خمس ولايات في السودان هي ولاية نهر النيل والجزيرة والنيل الأبيض وكسلا وكردفان؛ بالرغم من أن أثيوبيا كانت قد قامت بعملية الملء الثالث لسد النهضة في أغسطس من العام الماضي؛ وبالرغم من الملء الثالث؛ لم ينج السودان من الفيضانات التي دمرت هذه الولايات، وفي هذا العام لم تحدث فيضانات في السودان؛ بالرغم من أن إثيوبيا قامت بعملة الملء الرابع للسد، وهذا يدل على أن العلاقة بين الفيضانات في السودان وملء سد النهضة الإثيوبي غير مرتبطة ارتباطا قويا.

فائدة السد الإثيوبي للسودان تقيه مخاطر الفيضانات، والسودان ليس مثل مصر التي تحتفظ بمياه الفيضانات في السد العالي، وتستفيد منها في ري مشاريعها الزراعية، ومن إيجابيات السد الإثيوبي للسودان أنه سيوقف الطمي الذي كان سيترسب في الخزانات السودانية، وبالتالي سيزيد من عمرها، وهذا لا يجعلنا نغض الطرف في أن السودان يحتاج بعض الشيء إلى هذا الطمي؛ لأنه يخصب الأراضي ويعتمد عليه السودانيون في صناعة الطوب ومواد بناء.
وأيضا السد الإثيوبي سيساعد على انتظام الملاحة، لكن من سلبياته على السودان ربما تأثيره على سد الروصيرص السوداني على النيل الأزرق والذي يبعد ١٠٠ كيلومتر عن السد الإثيوبي، وهنا لابد من إجراء التنبؤات والاحتياطات اللازمة في خزان الرصيرص.

ومن مخاطر السد الإثيوبي أن منطقة تخزين المياه منطقة فوالق علي حسب ما قاله بعض الخبراء، وهذا ربما يتسبب في تسريب المياه على جانبي مساحة التخزين، وأيضا أن التخزين والملء الشديد للسد يضغط على القشرة الأرضية، وبالتالي إحتمالية انهيار السد الإثيوبي؛ تكون واردة لا قدر الله وهذا سيتسبب في كارثة في السودان، ومصر لن تسلم من هذه الكارثة.

السودان يعاني من عدم الاستقرار السياسي والحروبات والصراعات المسلحة آخرها الحرب الدائرة الآن بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهذه الصراعات والحروب قللت من شخصية السودان الدبلوماسية علي صعيد العلاقات والمصالح والتقاطعات والملفات الإقتصادية والأمنية والتجارية بين السودان والدول الأخري خاصةً دول الحوار، وإثيوبيا ومصر والسودان تربطهم مياه النيل بإعتبار أن إثيوبيا دولة المنبع والسودان دولة المعبر ومصر دولة المصب، وبسبب الصراع المسلح في السودان إنشغلت حكومة السودان بهذا الصراع المسلح، ولم تعر ملف السد الإثيوبي وأمنها المائي اي إهتمام؛ عكس مصر التي أفردت له إهتمام كبير لأنه يضر بأمنها المائي والغذائي، ولابد لحكومة الخرطوم أن تنظر نظرة فاحصة لهذا الملف المائي، ولابد أن تكون نظرتها ليست كنظرة حكومة القاهرة؛ لأن إيجابيات السد الإثيوبي علي السودان تختلف عن مصر، وبالرغم من هذا لابد من أن تضع حكومة الخرطوم يدها مع يد حكومة القاهرة للتفاوض مع حكومة أديس أبابا وإجبارها لإتفاق يلزمها التنسيق مع الخرطوم والقاهرة في عمليات الملء والتشغيل والتصريف لمياه السد والزام أديس أبابا بعدم ملء خزان السد كله؛ حتى لا يضغط علي القشرة الأرضية وتتسرب المياه وينهار، ولابد من الزام أديس أبابا بقيام دراسات ومراقبة أعمال السد وإجراء الصيانات الوقائية والتشغيل الأمثل، وايضا لابد للدبلوماسية السودانية أن تكون حصيفة وتراعي مصالحها التي تختلف عن مصالح القاهرة، وإلزام أديس أبابا بجدول تشغيلي زمني وكمي في عمليتي الملء وتصريف المياه من السد الي السودان؛ لأن التصريف الخطأ لمياه السد يؤثر على السودان، ويتسبب في فيضانات مدمرة؛ عكس التصريف المجدول الصحيح الذي سيساعد السودان على اتباع نظام الدورات الزراعية والتغذية المتواصلة للمياه الجوفية المرتبطة بالنيل وينظم الملاحة طوال العام، وأيضا لابد لدبلوماسية الخرطوم أن تتفق مع أديس أبابا بمنحها من كهرباء السد بسعر صفري او رمزي، بجانب تطوير محطات وأجهزة القياسات والرصد والمتابعة والسيطرة علي طول نهر النيل في السودان خاصةً محطة الديم السودانية المتاخمة للحدود الإثيوبية.

حاليا السودان ليس لديه ضرر يذكر من ملء السد، وبالعكس يمكن أن يستفيد من إستخدام نصيبة من مياه النيل علي حسب اتفاقية مياه النيل ١٩٥٩ بالاستفادة من تعدد المواسم والفصول والدورات الزراعية وإقامة المشروعات الزراعية علي المساحات الخالية والصحراء وإقامة أنهار صناعية ومشروعات حصاد المياه والإقتصاد الأخضر.

د.الفاتح يس

أستاذ وباحث في البيئة والتنمية المستدامة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق