صحة وبيئةمقالات

مؤسسة البصر الخيرية ومستشفى العيون بكوستي

بقلم/ مصطفى بشار:

لم يتسن لبائع القماش الإيطالي انتوني فان ليفنهوك صانع العدسات، أن يتخيل ماجرى بعد ذلك، وان عديساته صارت ملونة، تخلب ألباب حسناوات، وعيون تلونت بلون فيروزي، وزهري من تجليات ابتكاره الأول، وسار على نسقه عدد مقدر من سكان كوكب الأرض، بنظاراتهم لتصحيح عيوب الإبصار ، وللزينة، ولخلق مظهر جديد.
ففي الأسبوع الماضي، بعدما تنامي إلى أسماعي، أن مخيماً للعيون، يتبع لمؤسسة البصر الخيرية، متمثلاً في مستشفى مكة ذائع الصيت. قلت في نفسي أن نظارتي لابد انها تحتاج تبديلاً، وكشفاً يغنيني عن دفع نفقات اضافية، بحكم أن مؤسسة البصر هي خيرية في الأساس، ويقف خلفها أناس افاضل. حياهم الله.

 

فأول مالفت نظري في البوابة المائلة في اتجاه الجنوب الشرقي، أن رأيت سيارة شرطة بلونها الأزرق الذي لاتخطئه عين. فقلت بلا شك أن هناك تدافعاً ، في هذا المكان المجاني، مما استدعى توفر سيارة زرقاء.

توكلت، وحاولت ان اجد طريقي بين الزحام الممتد، من المدخل حتى نهاية المبنى. والناس في فوران عجيب، كأنهم داخل قدر وسيع من ملح (الاندروس). وآخرون على كراسٍ، وجمهرة عجيبة، واذا قدر لك ان ترمي إبرة معدنية ، فلن تصل الأرض، من فرط التزاحم.

 

تلفت يمينا ويساراً، فإذا الجموع في ازدياد، فسرعان ما لغيت فكرة تجديد نظارتي، واثرت من الزحام، وان اغادر بباقي اناقتي، واخرج كذلك من الزحام بملاحظات شتى.
فلقد كنت جد مستغرباً من الزحام، وان مؤسسة رائدة وعالمية لها صيت لايدانيه صيت، أن تقع في سوء تنظيم الحشود، وتختار مكاناً ضيقاً، وهو قسم العيون بمستشفى كوستي. حيث حُشِر الناس ضحا. وهذا القسم أُعِدّ أساساً ليقابل احتياج مدينة صغيرة أو أميل لأن تكون متوسطة الحجم، وبواقع لايزيد عن سبعون مريضاً يومياً في المتوسط. وليس لولاية كاملة بحجم ولاية النيل الأبيض.
ففي هذا الحشد. التقي الباحث عن نظارة بالذي يحتاج عملية مياه بيضاء، واختلط على الأشخاص الذين قدموا لأول مرةٍ ، لفحص روتينيٍ – بحكم أن المجان جاذب لكل الفئات، وليس المعسرين فقط – بمن يحتاج قطرة لمكافحة تجفاف العين.
كان من الأجدى أن يكون هذا المخيم في غير هذا المكان الضيق، فهو بالكادلايزيد على مساحة أكثر من 600مترمربع. وان يكون هناك مكانين منفصلين، احدهما للكشف الأولي، وتحديد الاحتياجات لكل مريض، ومكان آخر خاص بالعمليات بأنواعها. وحتى هذا التصنيف العادي، لم يتوفر، مما خلق ازدحاما واضحاً، ولأظن مثلي كثيرون قد غادروا بسبب الازدحام والحرارة المرتفعة، في فناء قسم العيون.
لمؤسسة البصر الخيرية صيت وسمعة حسنة في كل العالم، لا أدري لماذا اختارت هذا المكان شديد الضيق؟ هل ذلك عجز في ميزانيتها؟ أشك في ذلك. أن وراءه اموال نفطية دفعت بمحبة لقيام هكذا مؤسسة لخدمة العالم الاسلامي، ومن الذي اوعز لها باختيار هذا المكان الضيق؟ هل الذي احدث هذا الزحام، كان يقصد احداث شهرة اكبر، لمؤسسة هي اصلاً كبيرة في أفئدة من ارتادوها قبلاً؟ وان سوء التنظيم كان خصماً عليها. اما كان لهذه المؤسسة الرائدة أن تؤجر مكاناً فسيحاً، ليجد كل المرضى فرصتهم في المعالجة، وتجد المؤسسة الرائدة اريحية كاملة ، في تقديم ما جٌبِلّت عليه من اعمال الخير. لا اظن ذلك قصد منه التقتير.


صحيح أن قسم العيون بمستشفى كوستي، يشهد له الكل في أن المريض بعد مقابلة اختصاصي العيون، فإنه يوجّه بالذهاب مباشرة إلى صيدلية قسم العيون، وتلقي الدواء مجاناً. أليس ذلك معجزة من معجزات العصر في هذا البلد العجيب! أن تحصل على دواء مجاني..
اخشى أن يقرأني احدهم، فيلغي مجانية ادوية العيون، والذي سيفعل ذلك لم يكن يدري أن أعظم ما قيل عن العيون، كتبه مرضى شعراء ووالهون، في طبيبات، أو ممارسات تطبيب، وفي أقبية مستشفيات!
كلي يقين أن مؤسسة البصر الخيرية، بها من الإمكانيات ما يمكنها من شراء قطعة ارض، وتشييد مستشفاً للعيون، ويكون اسمه مكة، مباركاً من عند الله. وتقديم خدمه مجانية، محبة في الخلق. ويكون أساسه بمدينة كوستى، خدمة لكل سكان ولاية النيل الأبيض، الذين يستحقون كل خير ومحبة، بدلاً من التزاحم في فناء قسم عيون صغير بمستشفى ولائي. ويقدم كوادر بخبرات أجنبية ، مثلما يحدث ، بمستشفيات مؤسسة البصر الخيرية في كل بقاع العالم.
مازال السؤال جارٍ. من الذي ضيّق واسعاُ، واختار مكاناً، لا يتناسب مع عدد سكان ولاية كاملة، ليجدوه خياراً مثاليا لمعالجة عيوب ابصارهم؟
لابد أن تتضافر الجهود لتحسين الخدمات الطبية ، في هذا الجزء من الوطن، لنقابل دعوات اولئك البسطاء، وان نعيد لهم بصرهم، دون مشقة.
ولك أن تتوقف عند بيت الشعر العربي – إن شئت- قل للمليحة في الخمار الأسود! اليس ذاك النبض حادث، من نعمة الأبصار؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق