الأبيض.. حين تصير الذكرى وطناً، ويغدو الحنين سلطانا

د.عبدالكريم الهاشمي:
مدينة الأبيض ليست محطةً عابرة في دروب عمري وسني حياتي، ولا اسماً يمرّ حثيثاً في دفاتر الذاكرة، بل هي فصلٌ كاملٌ في كتاب التكوين، ونافذةٌ انفتحت منها الأبصار وتخلّقت عند عتباتها البصائر. هناك، في الابيض حيث تعلّمنا أن للمدن أرواحاً تشبه البشر، لا كلّ البشر، بل النبلاء منهم، مدنٌ تحب وتحتضن، تعفو وتسامح، تُوجعك حين تُصاب، وتفجعك حين تتألم.
في تسعينيات القرن الماضي شددتُ الرحال إلى الأبيض طالباً بجامعة كردفان، وأنا أشق عُباب المجهول بخطى المرتجف الذي يخشى مفاجاة المجهول، والمشتاق…. . لم أكن أعرف عن مدينة الابيض إلا ما تسلّل إلى سمعي من رواياتٍ متناثرة، تحكي عن طيبة أهلها، وتحضّر مجتمعها، ورحابة صدورهم لاحتضان الغريب، وسلاسة الاندماج في نسيجها الإنساني والمجتمعي الوارف. غير أن تلك الإفادات والشهادات، بالرغم من صدقها وجمالها وحسنها، إلا أنها بدت شحيحة أمام الحقيقة، فقد وجدتُ مدينةً تُتقن الاحتفاء، وتُجيد العُشرة، وتتنفّس حباً وصفاء، وتمنح أبناء الجامعة القادمين من كل بقاع السودان واصقاعه منزلة تشبه منزلة الأبناء لدى الأباء
خمسة أعوامٍ قضيتها في الأبيض، كانت من أجمل سنوات العمر وأصدقها. عشنا بين أهلها وعلى رمالها، فلم نشعر بغربة يوماً، كأن المدينة كانت تعرفنا قبل أن نعرفها، وتفتح لنا ذراعيها بلا تحقيق ولا سؤال. هناك التقينا بقامات من زعماء السودان، تجاذبنا الحديث مع الرئس الاسبق للسودان عبد الرحمن سوار الذهب وبالطبع كان حديثا ذو شحون إذ كان يشغل رئيس مجلس الجامعة وإلتقينا بالشيخ مشاور جمعة الذي ارتبط إسمه بإستقلال السودان، والأستاذ الفاتح النور مؤسس جريدة كردفان كأول جريدة تصدر خارج العاصمة الخرطوم، والبروفيسور التاج فضل الله رائد نهضة جامعة كردفان ومؤسس صرحها العلمي. جالسنا الشيخ موسى العالم الفقيه، وضحكنا مع موسى شيخ الربع، وسُحرنا بسرد الحلاج، وتأملنا وهج القطب الرياضي سليمان دقّق. أسرتنا مواعظ الشيخ إسماعيل حمدتو، والشيخ صلاح حمدتو، والدكتور صلاح الدين الهادي، وأسماءٌ كثيرة حفرت أثرها في الذاكرة، واستقرت في جنبات الوجدان. تذوقنا طيب الطعام وأشهى المأكولات في كافتيريا البستان، وجروبي، وأقاشي إبّا بحي فلاته. تجوّلنا في أسواق ود عكيفة، وأبو جهل، والقلعة، وكريمة، والصالحين، وزرنا ود اب صفيّة. إرتحلنا إلى حدائق البان جديد التى تغنا لها الشفيع وكان يومنا سعيد وكأنو عيد، نهلنا من سلسبيل أُدبائِها، وارتوينا من معين منتدياتها الثقافية، حتى غدت الثقافة خبز يومنا وملح ليالينا.
كلما عدنا بالذاكرة إلى الأبيض، عادت الدموع قبل الذكريات، تأسرنا ذكرياتنا في الابيض، وتهدهدنا ثم تبكينا. ستظل الابيض معبد ذكرياتنا القدسي نأنس بالتبتل في محرابه. نفرح لفرح الابيص، ونتألم لألمها، ونفخر ونعتز بالإنتماء إليها، ونتوجّع لأوجاعها، ونفخر بالانتماء إليها كلما استوقفنا اسمها. تناول الشعراء مدينك مراكش بلغةٍ بصرية تفيض بالأمل والفرح والسعادة، والأبيض عندي بمنزلة مراكش في عيون أولئك الشعراء:
للهِ “الأُبيض” الغرَّاءَ منْ بلَدٍ
وحبَّذَا أهلها السادَات منْ سكنِ
إنْ حلها نازِحُ الأوْطانِ مغتَرِب
أسلَوْه بالأنْسِ عنْ أهْلٍ وعنْ وطَنِ
بيْن الحدِيثِ بها أوِ العيَانِ لها
ينْشَأُ التّحاسُدُ بيْنَ العَيْنِ والأُذُنِ.
“الأُبيض” فــــيكِ مسَـــــرّتِي
ولديْكِ أحْلامُ المُنى تتحَقَّقُ
فإِذا حلَلْتُكِ فالحياةُ بهيجَةٌ
وإِذا نَزحْتُ فَمُهْجتِي تتَحرَّقُ
الحُسْنُ فيكِ تكَاملَتْ آياتُهُ
والفضْلُ فيكِ مخَيِّمٌ ومُحلِّقُ
في كلِّ ناحيَةٍ مرُوجٌ تخْتفِي
فيها زهُورٌ كالعيُونِ يُحدِّقُ.
يعتصرنا الألم في هذه الايام لما تعيشه مدينة الابيض من أوضاعٍ أمنية قاسية، حوّلت الطمأنينة خوفاً، والأمان رعباً، والسكينة قلقاً وسهاداً. كم تألمنا لهذه الأوضاع التي تكتنف المدينةً التي لا تستحق ذلك فهي مدينة تُعلم الفرح، فكيف تُمتحن بالحزن، ولأن أهلها قاسمونا الرغد والدعة، فلن نتركهم يواجهون الشدة والبأس وحدهم. وكم تمنّينا أن نكون بينهم، نقتسم معهم المرّ كما قاسمونا الحلو، ونقف في صفّهم عند المحن والإبتلاء كما وقفوا معنا حين اليسر والتنعّم.
إن استدعاء ذكرى الأبيض ليس ترفا ولا عبثا ولا نوستالجيا
إنما دينٌ في الأعناق، ووفاءٌ لا يبليه تقادم السنين، فهي عبق التاريخ، وشموخ المآذن، ونبض الروح. وإنّي، بلا تردّد ولا تراجع، أعلن جاهزيتي لأن أفدي الأبيض بالروح والدم، فبعض المدن تُحَبْ، وبعضها تُعشق، أما الأُبيض”ففحل الديوم” تُحب وتُعشق وتُفدى،
وستظل ذكراها وطناً، والحنين إليها سلطانا
Krimhashimi5@gmail.co
0912677147



