مقالات

المثنى واخوانه بين التزامات الإدارة الأهلية وحيرة القانون

بقلم/ سيف الدين أبونورة:

كان السودان عبر الأزمنة عبارة عن ممالك ومناطق لم يعرف شكل الدولة الحديثة إلا بعد الاستعمار، وكانت تسود حالة من الفوضى بسبب إدارة الأمور بواسطة القبائل..
وحتى حين أرسل محمد عليباشا،ا جيوشه للسودان كان غرضه المال والرجال وحتى يحصل على ذلك بطريقة منظمة ومستمرة ومتزايدة كان لا بد أن يتوسع في جغرافيته وينظم ويرتب وضعه لذلك اصبح السودان لأول مرة يدار مركزيا ووظيفيا وبسياسة مرسومة مع جعل الإدارة الأهلية شريكا منفذا ومساعدا في الإدارة وخاصة جمع الضرائب وضمان الولاء المطلق.

جاءت المهدية واعتمدت في الغالب على رجال الدين والطرق الصوفية وعندما انتهى دورها بالخير والشر على يد الحكم الثنائي الذي جاء ايضا غازيا ومستعمرا على نسق الحكم التركي وعندما خرج سودن الوظائف على أسس مصالحه أي ذهب ولكن ظلت برامجه ونخبه موجودة وحاكمة إلى أن جاء نميري والشيوعيين وقاموا بحل الإدارة الأهلية وخاصة في المناطق المستقرة حتى أصبح بعض رجال الأهلية في عداد النسيان وآخرين اتجهوا إلى العمل السياسي من أجل المحافظة على بعض زخمهم والمواكبة.

الديمقراطية الثالثة لم تكن على قدر من القوة التي تتحكم في تصرفات الجبهة الإسلامية والحركة الشعبية فهم شركاء في اجهاضها فإن كان الثاني أضعفها فالأول عمل ضدها وانقلب عليها فكانت الانقاذ والطرح الايدولجي الذي لا يؤمن بالإدارة الأهلية خصوصا وكانت نظرتهم لها من زاوية انها جزءاً تاريخيا من تكوين حزبي الأمة والاتحادي أما بعد العشرية الأولى ومحاولة الانفتاح واحتكار السلطة لأطول وقت ممكن اتجهت نحو القبائل ونفضت الغبار عن الإدارة الأهلية ولكن مع إلزامهم بنظرية (ارعي بي قيدك) أي تكبر وتؤيد (بس) مع بعض الامتيازات التي لاتتجاوز تضخيم الشخص ولا تصل حتى لمن حوله.

ذهب المؤتمر الوطني غير مأسوفا عليه بعد أن تصدعت الفكرة وانتهى أجله تاركا الإدارات الأهلية الحقيقية و(البوكو) على قارعة الطريق ولم يجدوا في الثوره ضالتهم نسبة لسيطرة اليسار الذي سماهم فلول ولا توجد في أدبياته قبيلة وشيخ وحاكورة حتى ظهر حيمدتي وملأ لهم هذا الفراغ (وفك الحيرة) وكانوا معه حتى قيام الحرب فبدأوا في رحلة عكسية وفي ظل الفراغ السياسي الحاصل وما تمر به البلاد وضح جليا أن أغلب رجال الأهلية استغلوا الظروف وتجاوزوا حد المعقول و بدلا من تقديم الفائدة اصبحوا خطرا يهدد أمن واستقرار وبقاء الدولة وسيكون لنا أمثلة على ذلك ولكن قبل ذلك السؤال هو من هو المسؤول عنها الولاة أم الأجهزة الأمنية أو العسكرية أو الحكم الاتحادي؟ وماهي الاستراتيجية المرسومة لذلك وهل هناك قانون ولو مؤقت يحدد تلك الصلاحيات أم (امفكو) هل هي الآن حاضنة الدولة ام حاضنة نفسها ؟ واضح جدا حجم التدخل الأهلي في العمل التنفيذي لدرجة تطابق وتزايد حالة الفوضى، فاذا تجاوزنا دارفور وكردفان التي كانت الإدارة الاهلية هي السبب ورأس الرمح في ذلك فالشرق الآن يسير على نفس المنوال فقد اختفت لغة التنمية والتهميش والحديث العادي وظهرت وكثفت المؤتمرات الصحفية للقبائل وكلها اتهامات ونذر حرب.

أما في نهر النيل التي كانت مضرب المثل في التعايش وتجاوز الجهوية والقبلية ما عدا شكلها الايجابي فقد تنامت ثقافة الصراع بين قبائل تجمعها السماحة والوئام والنسب والدم والجوار مثل العبابدة والمناصير والعبابدة والبشاريين، الحسانية والميرفاب.

سؤال لو لم يذهب الرئيس لحل مشكلة البشاريين والرشايدة وإيقاف مواجهة واضحة تصور عزيزي القارئ حجم الكارثة التي كانت ستقع وحجم والنتائج؟. وهناونؤكد أن الإدارة الأهلية يمكن أن تساعد في الحلول ولكن أن تترك لها مهمة حلول المشاكل وحدها فهذه مصيبة.

قبل عام حصلت بعض الخلافات بين البشاريين الأرياب والعبابدة الشناتير، وبدلا من تتحرك مؤسسات الدولة لحل الإشكال تركت الأمر إلى لجنة (قلد) في البحر الأحمر، وبدلا من أن تحل المشكلة تعقدت ووقعت الواقعة بين شباب الطرفين خلفت قتلى وحرحى واصبح الكل متهم، وبعد ذلك وبدلا من ترك الأمر للقانون أو عقلاء الطرفين وبين القبيلتين نسب وجوار ومصاهرة ومصالح مشتركة، ظهرت لجنة أهلية أخرى من نهرالنيل تعهدت بالحل وادعت انها ستلزم الطرفين بإحضار المتهمين، وبناء على ذلك جاء المتهم ا(لمثنى) وآخرين من أبناء العبابدة وسلموا أنفسهم للشرطة، بينما لم يسلم أي متهم من الطرف الآخر نفسه واختفت اللجنة صاحبة مقترح الحل ووقف القانون محتارا إن لم يكن منحازا.

مازال (المثنى) ومن معه من أبناء العبابدة محتجزين في حراسات شرطة أبوحمد ومن معه السؤال: أين اللجنة وأين التزامها حتى تتقدم الإجراءات ويقول القضاء كلمته.

نحن أبناء الإدارة الأهلية وهي مكان احترامنا وتجد منا كل التقدير والاحترام لذلك لا نريد لها التشويه والخراب والبعد عن أهدافها الحقيقية وعملها المعروف٠

هناك مثل لأهل البادية يقول (الله يواكي الجراب علي العقاب)، حتى نخرج من هذا النفق والتدهور المتزايد على السادة المسؤولين والسياسيين ومنظمات المجتمع المدني والمهنيين إقامة مؤتمرات قاعدية وولائية وفق موجهات قومية للنظر في هذه القضايا أو أي حلول أخرى مناسبة تساعد وتساهم في هندسة الحياة الاجتماعية.

ولو استمر الحال على هذا المنوال لن يجد المسؤول من يحكمه وكذلك لن يجد السياسيين قواعد آمنة ومستقرة تنفذ برامجها ولن تجد الإدارة الأهلية من يعترف بها ويمتثل لقوانينها أو أعرافها.

سيف الدين أبونورة ـ اتحاد قبيلة العبابدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى