
محمد بابكر:
في مشهدٍ يبدو أقرب إلى المستحيل وفي زمن تخيم فيه ظلال الحرب على مدن السودان وتئن مصانعه تحت وطأة الدمار تبرق شرارة أمل من قلب الصمود الصناعي إنها ليست مجرد قصة عن التعافي بل ملحمة عن الإرادة التي تتحدى الواقع.
شركة جياد الصناعية التي طالتها نيران الحرب لم تقرر النهوض من الرماد فحسب بل اختارت أن تقفز مباشرة إلى المستقبل معلنة عن مشروع سيغير وجه النقل في البلاد (إطلاق أول أسطول من السيارات الكهربائية في السودان).

هذا الإعلان الذي أطلقه المدير العام لقطاع السيارات الفاتح عوض عبد الله ليس مجرد خطة عمل جريئة بل هو بيان سياسي واقتصادي يعلن أن عجلة التقدم في السودان لن تتوقف رغم التآمر رغم مرارة الحرب.
ففي الوقت الذي تحصي فيه البلاد خسائرها بمليارات الدولارات وتوقف ما يقارب 90% من قطاعها الصناعي تضع جياد حجر الأساس لثورة طاقة نظيفة في خطوة استراتيجية تتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

لم تكن جياد بمنأى عن الخراب لقد واجهت المجموعة التي تعد فخرالصناعةالوطنية تحديا وجوديا حقيقيا مع التدمير الممنهج لمنشآتها وخطوط إنتاجها.
لكن ما حدث بعد ذلك هو ما يصنع الفارق بين الانهيار والنهضة. فبقيادة كوادرها الوطنية الصلبة تحولت الشركة إلى خلية نحل لا تهدأ ونجحت في إعادة تشغيل 18 موقعاً حيويا بل وتجاوزت ذلك للمساهمة في إعادة بناء مؤسسات أخرى.

هذه العودة البهية التي أشاد بها الرئيس التنفيذي للمجموعة المهندس عبد الله عبد المعروف لم تكن عودة إلى الماضي بل انطلاقة نحو أفق جديد. فإلى جانب إعادة إنتاج الشاحنات وعربات الإطفاء وتأسيس مركز صيانة متكامل في بورتسودان كانت عيون الإدارة تتجه نحو جائزة أكبر قيادة التحول الأخضر في السودان.
قد يبدو طرح مشروع بهذا الحجم في ظل الظروف الراهنة ضربا من الخيال لكنه في الحقيقة قرارٌ ينم عن رؤية استراتيجية عميقة. فمشروع السيارات الكهربائية ليس ترفاً بل هو ضرورة اقتصادية ووطنية
في بلد يرزح تحت ضغط فاتورة استيراد الوقود يمثل التحول إلى الكهرباء طوق نجاة سيخفف الضغط على العملة الصعبة ويوجه الموارد نحو أولويات أخرى.

تتميز السيارات الكهربائية بانخفاض تكاليف صيانتها بشكل جذري مما يعني توفيرا هائلاً للمواطن والمؤسسات الحكومية على حد سواء ويحرر ميزانيات يمكن استثمارها في خدمات أهم.
تمكين مؤسسات الدولة من خلال خطط إدخال سيارات صالون وحافلات كهربائية متنوعة.
تسعى جياد إلى تحديث أسطول الدولة بمركبات حديثة ومستدامة تعزز من كفاءتها وتقلل من بصمتها الكربونية.

إن ما تفعله جياد اليوم هو أكثر من مجرد صناعة سيارات إنها تصنع الأمل. إنها تثبت للعالم أن روح الابتكار السودانية لا يمكن إخمادها وأن من رحم المعاناة يمكن أن يولد مستقبل أكثر إشراقاً واستدامة. هذه ليست مجرد قصة عن شركة تنهض من كبوتها بل هي قصة أمة تقودها إرادة من فولاذ نحو فجر جديد فجر كهربائي بامتياز.

إن قصة جياد هي قصة السودان الذي نعرفه ونحبه السودان الذي لا ينحني للعواصف بل يحول رياحها إلى طاقة تدفعه للأمام. إنها رسالة لكل سوداني وسودانية بأننا أمة مبدعة قادرة على بناء مستقبلها بأيدي أبنائها وأن كل محرك كهربائي يدور في سيارة جياد هو نبض جديد في قلب وطن لا يموت. فلتكن جياد شرارة تضيء لنا الدرب وتلهمنا جميعا لنكون وقوداً لنهضة شاملة فالسودان يستحق أن ينهض وسينهض بإرادة شعبه العظيم.


