مقالات

الحنين إلى الفشل.. لماذا يعاد تسويق الفترة الانتقالية كأسطورة وطنية؟

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك: 

كتب القيادي بالمؤتمر السوداني خالد عمر يوسف الشهير بخالد سلك عبر صفحته الشخصية بالفلوس بوك مقالا حول الحكم الانتقالي السابق، وهو مقال يملك قوة لغوية وعاطفية كبيرة لكنه يقع في مشكلة جوهرية هي تحويل فترة انتقالية قصيرة ومعقدة إلى فردوس مفقود وكأن السودان بين 2019 و2021 كان يعيش استقراراً حقيقياً وانبعاثاً وطنياً شاملاً قبل أن يقطعه ما وصفه بالانقلاب فجأة. هذه الرواية تختزل الواقع السوداني بصورة انتقائية وتحمل العسكر وحدهم مسؤولية الانهيار بينما تعفي الشراكة المدنية نفسها من أي مساءلة سياسية أو اقتصادية أو أمنية. والحقيقة أن قراءة أكثر توازناً للتجربة تكشف أن الأزمة كانت بنيوية منذ البداية وأن كثيراً من عناصر الانفجار الحالي ولدت داخل الفترة الانتقالية نفسها لا بعدها فقط.

صحيح أن السودان بعد سقوط نظام البشير شهد انفتاحاً دبلوماسياً واسعاً وعاد إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد سنوات العزلة. لكن السؤال الحقيقي ليس كيف كان ينظر إلى السودان في باريس وواشنطن؟ بل كيف كان يعيش السودانيون داخل الخرطوم ومدني والفاشر وبورتسودان؟ هنا تبدأ الصورة المختلفة.

اقتصادياً ورثت حكومة حمدوك وضعاً كارثياً بلا شك لكن السياسات التي اختارتها لم تخفف العبء عن المواطن بل نقلته مباشرة إلى الفقراء من الشعب. وفق بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تجاوز معدل التضخم في السودان خلال 2021 حاجز 380% في بعض الأشهر ليصبح من الأعلى عالمياً. هذا لم يكن مجرد مؤشر اقتصادي بل انهيار فعلي في القدرة الشرائية. الموظف الذي كان راتبه يغطي احتياجات شهر صار عاجزاً عن تغطية أسبوع واحد. كما ارتفع سعر الدولار بصورة متسارعة بعد سياسة توحيد سعر الصرف وقفزت أسعار الوقود والخبز والكهرباء والمواصلات بشكل غير مسبوق عقب رفع الدعم التدريجي عن المحروقات.

السياسات التي تبنتها الحكومة الانتقالية آنذاك بوصفها إصلاحات اقتصادية كانت عملياً تطبيقاً مباشراً لشروط صندوق النقد الدولي حول رفع الدعم وتحرير سعر الصرف وتقليص الإنفاق الحكومي والاعتماد على القروض والمنح. صحيح أن السودان بلغ نقطة القرار في مبادرة إعفاء الديون HIPC في يونيو 2021 لكن هذا الإنجاز كان يعني في جوهره اعترافاً دولياً بأن السودان دولة فقيرة مثقلة بالديون. أما الثمن فكان تحميل المجتمع تكلفة الإصلاح عبر التقشف ورفع الأسعار لذلك لم يكن غريباً أن تتصاعد الاحتجاجات الشعبية حتى خلال ذروة الاحتفاء الدولي بحكومة حمدوك.

ما كتبه خالد سلك يربط بين الإشادة الغربية بالسودان وبين استعادة الكرامة الوطنية ولكن السياسة الدولية لا تعمل بالعواطف. واشنطن وباريس لم تحتفيا بالسودان لأنه أصبح مستقلاً اقتصادياً أو قوياً سيادياً بل لأنه قدم نموذجاً انتقالياً منسجماً مع الرؤية الغربية وهو نموذج الانفتاح الاقتصادي والتعاون الأمني والتطبيع مع إسرائيل ضمن اتفاقيات أبراهام في أكتوبر 2020 وفي هذه النقطة يجب قول الحقيقة بوضوح إن التطبيع لم يكن ثمرة نقاش وطني سوداني واسع بل كان جزءاً من صفقة سياسية مرتبطة برفع السودان من قائمة الإرهاب والحصول على تسهيلات مالية. لذلك فإن تصوير تلك المرحلة باعتبارها شراكة ندية مع العالم يتجاهل اختلال موازين القوة الحقيقي.

أما الحديث عن أن السودان أصبح دار سلام لا تعرف الحرب فهو توصيف لا يصمد أمام الوقائع. نعم انخفضت حدة بعض النزاعات مقارنة بفترة حكم نظام الانقاذ ولكن الدماء لم تتوقف. مجزرة فض الاعتصام في يونيو 2019 ظلت جرحاً مفتوحاً بلا عدالة حقيقية. وحتى بعد تشكيل الحكومة المدنية استمرت عمليات قتل المتظاهرين في الخرطوم ومدن أخرى. تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وثقت سقوط عشرات القتلى والجرحى خلال الاحتجاجات بين 2019 و2021. كما شهدت دارفور والشرق اشتباكات دامية أوقعت مئات الضحايا. بينما اندلعت أزمة شرق السودان التي أغلقت ميناء بورتسودان وأظهرت هشاشة الدولة الانتقالية وعجزها عن معالجة جذور التهميش التاريخي.

الأهم من ذلك أن الحكومة المدنية لم تنجح في تفكيك البنية الأمنية والعسكرية القديمة. الدعم السريع لم يتم حله بل تضاعف نفوذه الاقتصادي والعسكري خلال الفترة الانتقالية نفسها. الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية بقيت خارج ولاية وزارة المالية بصورة كبيرة ولم تنجز إصلاحات جذرية في الجيش أو الأجهزة الأمنية. لذلك فإن اختزال الانقلاب في خيانة مفاجئة حسب قول خالد عمر يوسف يتجاهل أن الشراكة ذاتها بنيت على ميزان قوة مختل منذ البداية وأن المدنيين قبلوا عملياً بتقاسم السلطة مع العسكر دون امتلاك أدوات حقيقية لحماية الانتقال.

كذلك يتجنب المقال سؤالاً مهماً هو لماذا لم تتمكن الحكومة الانتقالية من بناء قاعدة اجتماعية صلبة تدافع عنها؟ الثورات لا تحمى بالخطب الدولية ولا بصور القادة في المؤتمرات بل بتحسين حياة الناس اليومية. حين يشعر المواطن بأن الخبز والدواء والكهرباء أصبحت أكثر صعوبة بينما يسمع في الوقت نفسه عن النجاحات الدولية تتسع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي. ولهذا السبب لم يتحول الغضب الشعبي بعد الانقلاب الابيض في أكتوبر إلى زخم بحجم ديسمبر 2018 رغم استمرار المقاومة المدنية.

هناك أيضاً مبالغة واضحة في تصوير الفترة الانتقالية كأنها كانت لحظة إجماع وطني كامل. الحقيقة أن قوى الحرية والتغيير نفسها كانت تعاني انقسامات حادة واتفاق جوبا للسلام خلق توازنات جديدة قائمة على المحاصصة أكثر من بناء مشروع وطني موحد. كما أن قطاعات واسعة في الأطراف شعرت بأن السلطة الانتقالية بقيت متمركزة في الخرطوم وأن أولوياتها أقرب إلى كسب الاعتراف الخارجي من معالجة أزمات السودان خاصة في الريف والهامش.

الحرب الحالية تمثل أسوأ انهيار في تاريخ السودان الحديث والعسكر ونفس المدنيون شركاء الفترة الانتقالية يتحملون مسؤولية مركزية في ذلك بلا شك. لكن الخطأ هو التعامل مع الفترة الانتقالية وكأنها كانت تجربة ناجحة بالكامل تم أُجهاضها فقط بفعل الشر المطلق القادم من المؤسسة العسكرية. التجربة الانتقالية كانت تحمل تناقضاتها الداخلية منذ اليوم الأول والمتمثلة في اقتصاد هش وشراكة مختلة وغياب مشروع اجتماعي واضح واعتماد مفرط على الخارج وعجز عن تفكيك الدولة القديمة.

لهذا فإن أي مراجعة جادة للمستقبل يجب أن تبتعد عن الحنين السياسي. السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج خطاب المدينة الفاضلة ولا إلى إعادة تدوير النخب نفسها دون نقد ذاتي. المطلوب هو مواجهة الأسئلة الصعبة مثل لماذا فشل الانتقال في بناء مؤسسات مستقرة؟ لماذا بقيت أدوات العنف خارج سيطرة الحكم الاتتقالي؟ لماذا لم تتحول الثورة إلى مشروع اقتصادي واجتماعي يخاطب الفقراء والعمال والمزارعين بصورة مباشرة؟ ولماذا ظلت العلاقة مع المجتمع الدولي قائمة على طلب الإعفاءات والقروض بدلاً من بناء استقلال اقتصادي حقيقي؟

السودان لا يحتاج فقط إلى سلطة مدنية كشعار بل إلى دولة فعالة وعادلة تمتلك مشروعاً وطنياً مستقلاً وتعيد بناء كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش على أسس مهنية وتضع العدالة الاجتماعية في قلب السياسة لا على هامشها. أما تحويل الفترة الانتقالية إلى جنة مفقودة فهو لا يساعد على فهم أسباب الانهيار بل يكرر الخطأ نفسه في استبدال النقد بالمشاعر واستبدال المراجعة بالحنين. لذلك لن يتغير موقف ورؤية الكثيرين حول عدم جدوى ومسؤولية أمثال هؤلاء أشباه الساسة ولا ساسة السودانيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى