مقالات

الزكاة في اختبار ما بعد الحرب

خالد الفكي سليمان: 

بعد سنوات الحرب العجاف، لا تبدو عودة ديوان الزكاة إلى واجهة المشهد مجرد نشاط موسمي مرتبط بشهر رمضان، بل تعبيرًا عن تحوّلٍ في طبيعة الدور الاجتماعي للدولة والمجتمع معًا. فالحرب لم تترك خلفها دمارًا عمرانيًا فحسب، بل أعادت تشكيل الخريطة الاجتماعية والاقتصادية، ووسّعت دائرة الحاجة إلى مستويات غير مسبوقة.

رمضان هذا العام يأتي ونحو أربعة ملايين مواطن عادوا من نزوح وتشريد قسري، مثقلين بفقد الممتلكات ومصادر الدخل والاستقرار. في هذا السياق، يصبح برنامج رمضان 1447هـ – 2026م، الذي أطلقه الديوان بتكلفة تجاوزت (77) مليار جنيه مستهدفًا أكثر من (628) ألف أسرة، خطوة في اتجاه استعادة التوازن الاجتماعي، لا مجرد سلة غذائية عابرة.

التحدي الحقيقي أمام الزكاة في مرحلة ما بعد الحرب يتمثل في تضاعف أعداد المحتاجين، وتنوّع مسارات الحوجة الإنسانية. فإلى جانب الفقراء والمساكين بالمعنى التقليدي، برزت شرائح جديدة: أسر الشهداء، العائدون طوعًا، النازحون، المتأثرون بفقدان مصادر رزقهم، وداعمو المجهود الوطني. هذه التحولات تفرض اجتهادًا فقهيًا وإداريًا مرنًا، يستوعب الواقع دون الإخلال بمقاصد الشرع.

الاستراتيجية المطلوبة اليوم لا تقف عند حدود الصرف، بل تتجاوزها إلى إعادة هندسة العمل الزكوي. أولًا، عبر تطوير آليات الحصر والتحصيل، خاصة في الأموال الباطنة، لضمان عدالة التقدير وتعظيم الموارد. ثانيًا، بالانتقال من منطق الإعانة إلى منطق التمكين، عبر برامج إنتاجية صغيرة تعيد الأسر إلى دائرة الاكتفاء. وثالثًا، بتوسيع الشراكات الذكية مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الإقليمية، لبناء شبكة تكافل أكثر استدامة.

تخصيص مليارات لمجابهة الكوارث مؤشر على وعي الديوان بحجم الأزمة، لكن الأهم هو بناء نظام استجابة سريع ومرن، قادر على التحرك مع تغير الأوضاع الميدانية. فمرحلة ما بعد الحرب لا تُدار بذهنية الطوارئ فقط، بل بعقل استراتيجي يستشرف المستقبل ويمنع عودة الهشاشة.

الزكاة، في جوهرها، ليست مجرد تحويلات مالية، بل أداة لإعادة توزيع الأمل. وإذا أحسن ديوان الزكاة قراءة اللحظة التاريخية، وأدار موارده بشفافية وكفاءة، فإنه لن يخفف وطأة الفقر فحسب، بل سيسهم في ترميم النسيج الاجتماعي، ووضع لبنة أساسية في مشروع التعافي الوطني الشامل.

khalidfaki77@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى