مقالات

محمد بابكر يكتب: ضعف تمويل التعليم في السودان تهديد مباشر للأمن القومي

يعاني قطاع التعليم في السودان من إهمال مزمن وضعف حاد في الإنفاق الحكومي مما لا يقتصر تأثيره على تدهور جودة التعليم فحسب بل يمتد ليشكل تهديدًا وجوديًا للأمن القومي للبلاد. فالاستثمار في التعليم هو خط الدفاع الأول ضد آفات الجهل والفقر التي تغذي النزاعات والحروب وعدم الاستقرار.

تكشف الأرقام الرسمية عن واقع مقلق لميزانية التعليم في السودان ففي سنوات سابقة لم تتجاوز نسبة الإنفاق على التعليم 2.8% من إجمالي الميزانية العامة وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بميزانيات قطاعات أخرى .

وفي عام 2022 وصل الإنفاق الحكومي على التعليم نحو 1.3% فقط من ميزانية الدولة.

هذا التراجع المستمر في التمويل أدى إلى خروج الجامعات السودانية من التصنيفات العالمية لجودة التعليم لتنضم إلى دول تعاني من نزاعات وحروب مثل ليبيا والصومال واليمن

من حكمة الأديب والمفكر الفرنسي فيكتور هوغو الشهيرة و التي تقول: إأن الأمة التي لا تنفق على التعليم ستضطر أن تنفق أكثر على السجون بهذه الكلمات لخص هوغو العلاقة بين التعليم والأمن القومي و المجتمعي، ليست مجرد مقولة بل هي معادلة اجتماعية تضع الاستثمار في المعرفة في مواجهة الإنفاق على قمع المجرمين فإدراك هوغو بأن الجهل يولد الفقر والفقر يولد الجريمة وهو ما يجد اليوم صدى مؤلماً في واقع السودان حيث تتجسد هذه المعادلة بأبشع صورها لتكشف عن الثمن الباهظ الذي تدفعه الأمة السودانية نتيجة عقود من إهمال القطاع التعليمي

يرى هوغو أن التعليم ليس ترفاً أو خدمة هامشية بل هو استثمار وقائي يحمي المجتمع من الانحراف ويصون كرامة الإنسان. فالحكومات التي تهمل التعليم وتفشل في توفير المعرفة والمهارة للأجيال الصاعدة تخلق بيئة خصبة لليأس حيث يلجأ الشباب إلى طرق غير شرعية للبقاء. وفي هذه المرحلة تبدأ الدولة بالإنفاق أكثر على أجهزة الشرطة والسجون والمحاكم ولكن هذا الإنفاق لا يعالج الجذور بل يطارد النتائج فقط.
إنها حلقة مفرغة من التدهور الاجتماعي والاقتصادي لا يمكن كسرها إلا بالعودة إلى نقطة البداية.

الكارثة أنه قبل الحرب لم يكن التعليم في السودان يوماً بمنأى عن التحديات لكن الأرقام تكشف عن إهمال مزمن يسبق الحرب الأخيرة لطالما عانت منظومة التعليم من ضعف الإنفاق الحكومي وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع الفلسفة التي نادى بها هوغو.
هذا الإنفاق الضئيل الذي لا يتجاوز 1-2% من الميزانية أدى إلى تهالك البنية التحتية للمدارس والجامعات وتدني جودة المخرجات وتزايد الفجوة بين متطلبات التنمية وواقع البيئة التعليمية.

لقد كان النظام التعليمي هشاً وضعيفاً يفتقر إلى المناعة اللازمة لمواجهة أي صدمة كبرى.

جاءت أحداث الحرب الأخير لتحول الأزمة المزمنة إلى كارثة تعليمية غير مسبوقة في العالم.

لقد أثبتت الحرب أن الإهمال السابق كان بمثابة قنبلة موقوتة انفجرت في وجه الأمة.

تضرر حوالي 40% من مباني الجامعات والكليات جزئياً أو كلياً نزوح 4.4 مليون شخص جديد داخل السودان منهم حوالي 2.5 مليون طفل هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات بل هي جيل كامل يواجه خطر فقدان المعرفة والمهارة مما يزيد من احتمالية لجوئه إلى طرق غير شرعية للبقاء كما حذر هوغو.
إن ترك هذا العدد الهائل من الشباب خارج أسوار التعليم هو تهديد مباشر للأمن القومي وللمستقبل الاجتماعي لللسودان

الأمن يبدأ من الفصل الدراسي ومن إستقرار العملية التعليمية

إن واقع التعليم في السودان اليوم هو دليل قاطع على صحة مقولة فيكتور هوغو فبدلاً من أن تستثمر الدولة في بناء العقول والمدارس، وجدت نفسها مضطرة للإنفاق على تداعيات الحرب.

إن الطريق الوحيد للخروج من هذه الأزمة وتحقيق الاستقرار المستدام يبدأ بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية.

يجب أن يُنظر إلى التعليم على أنه أولوية قصوى للأمن القومي وليس مجرد بند في الميزانية يمكن الاستغناء عنه. فإعادة فتح المدارس والجامعات وتوفير بيئة تعليمية آمنة وجيدة هو الاستثمار الحقيقي الذي سيحمي السودان مستقبلا.

تعاني حوالي 60% من المدارس الحكومية من تهالك مبانيها وعدم صلاحيتها لاستقبال الطلاب، مع انتشار ظاهرة الفصول الدراسية في العراء، خاصة في المناطق الريفية.

يعاني المعلمون وأساتذة الجامعات من أوضاع معيشية بالغة السوء وتدنٍ في الأجور مما أثر سلبًا على دافعيتهم وأدائهم المهني.

حذرت منظمات دولية مثل اليونيسف من كارثة جيلية حيث يوجد نحو 7 ملايين طفل خارج أسوار المدارس، أي ما يعادل ثلث أطفال البلاد.

يرى الخبراء أن الفقر والبطالة هي نتائج مباشرة لتردي التعليم تشكل عوامل رئيسية تستغلها المخابرات الاجنبية لاستقطاب الشباب وتجنيدهم. فالشباب الذي يفتقر إلى التعليم يصبح فريسة سهلة للأيديولوجيات الخارجية التي تقدم لهم بدائل وهمية تؤدي الي معاد بلادهم ووطنهم و واستقطابهم و الانحدار نحو العمالة والإرتزاق والتجسس لصالح الاعداء.

في المحصلة لم يعد ضعف الإنفاق على التعليم في السودان مجرد قضية قطاعية، بل أصبح تحديًا استراتيجيًا يمس صميم الأمن القومي.

إن إعادة ترتيب الأولويات الوطنية هو السبيل الوحيد لكسر حلقة العنف والفقر المفرغة، وبناء مستقبل آمن ومستقر للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى