مقالات

مصير الأيتام في أدب الطيب صالح

د. صلاح عمر الطيب: 

حين يلفت الأدب النظر إلى قضية منسية
التشويق عند الأديب السوداني الكبير الطيب صالح رحمه الله ليس مجرد أسلوب سردي يجذب القارئ بل هو وسيلة عميقة لتمرير معانٍ وقيم إنسانية يلفت بها الانتباه إلى قضايا قد يغفل عنها الناس ومن يقرأ أعماله يدرك أن وراء الحكاية الظاهرة إشارات ودلالات أعمق تتعلق بالإنسان والمجتمع
ولعل في مصير أولاد مصطفى سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال عبرة لافتة فهي ليست مجرد تفصيل في سياق الرواية بل يمكن قراءتها كرمزية لحال كثير من الأيتام في العالم فمصير اليتيم في كثير من الأحيان يظل مجهولًا يتأرجح بين الإهمال والضياع ما لم يجد رعاية حقيقية وبيئة آمنة تحتضنه وتوجهه
يبدو أن الطيب صالح رحمه الله لم يتطرق إلى هذا الجانب مصادفة بل أراد أن يطرق باب قضية الأيتام والتنبيه إلى ضرورة الالتفات إليها فالكاتب حين عرض مصائر شخوص الرواية لم يتركهم دون نهاية فـسيف الدين تغيّر حاله وتاب ومحجوب دارت به الأيام حتى أُقيل واتُّهم بالسرقة من قبل ابن أخته ود بكري الذي صار زعيمًا وهكذا تتقلب أحوال الناس مع الزمن
وهنا تتجلى عبقرية الطيب صالح فهو لا يطرح القضايا مباشرة بأسلوب الوعظ بل يلمّح إليها عبر مسار الشخصيات وتحولات حياتها فيجعل القارئ يتوقف ليتأمل ما وراء الأحداث ويكتشف أن هناك قضايا إنسانية عميقة تحتاج إلى اهتمام المجتمع، وفي مقدمتها قضية الأيتام
فاليتيم ليس مجرد حالة اجتماعية عابرة بل هو إنسان قد يصبح عنصر بناء في المجتمع إذا وجد الرعاية والتوجيه وقد ينزلق إلى مسارات صعبة إذا تُرك لمصيره ومن هنا تأتي أهمية الالتفات إلى هذه الفئة الضعيفة التي تحتاج إلى عناية المجتمع قبل أن تحتاج إلى شفقة أفراده
وهكذا ينجح الأدب الحقيقي في أن يوقظ الوعي وأن يجعلنا نرى ما اعتدنا المرور عليه دون تفكير وربما كانت هذه إحدى رسائل الأدب الكبرى أن يفتح أعيننا على قضايا إنسانية مهمة حتى وإن جاءت في ثنايا قصة أو رواية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى