صحراء بيوضة العارية.. ذهب وليثيوم السودان المسروق تحت غبار الحرب

د.أسامة سيدأحمد حسين:
على جبال وصحاري وسهول شمال السودان وشرقه وغربه التي كانت يوماً خزائن للأرض، توزع اليوم جياع العسكر ووكلاء المال دماء المعدن الأصفر. وفي صحراء الشمال، ترصد الأقمار الصناعية حمى تعدين لا تعرف الكفاف، بينما تنظر اتفاقية جوبا عاجزة عن تفسير كيف تحولت وزارة المعادن إلى إقطاعية قبلية توزع تصاديق الاليات والمدخلات و الكيمياويات المحرمة كالحلوى، وتحت غبار الذهب المسروق تخشى الأيام القادمة على معادن أكثر قيمة من الذهب نفسه.
في مشهد يعيد إلى الأذهان سطو القراصنة على سفن الذهب في سالف العصور، كانت جبال البحر الاحمرفي شرق السودان وفي امتدادات اراضي نهر النيل والشماليه وولاية كردفان الكبري والبطانة في الشرق، والصحراء الشمالية الممتدة إلى حدود مصر وليبيا، شاهدةً صامتة على واحدة من أبشع عمليات نهب الثروات في التاريخ السوداني الحديث. ففي خضم الحرب اللعينة المفروضة علينا.. والتي مزقت نسيج الوطن واحلامه، حوّلت أطماع المليشيات المسلحة وتواطؤ وكلاء الذهب الإقليميين والدوليين جبال السودان ورماله إلى أوكار للجشع، وأحواضاً لدماء المعدن الأصفر الذي يغذي آلة القتل والدمار.
الصحراء الشمالية.. ندبة سوداء ترصدها الأقمار:
وقبل الغوص في التفاصيل، ثمّة مشهد يجب استحضاره: حركة دؤوبة ومكثفة يغطي معظم الصحراء الشمالية للسودان، ترصدها صور الأقمار الصناعية يوماً بعد يوم. نشاط تعديني كبير وقوي، لم يتوقف بل ازداد شراسة في ظل الحرب. إنها حمى ذهب عارمة كواجهة ومعادن نادرة نبيلة اخري كهدف مستتر، تحفر بطون الصحراء القاحلة التي طالما ظنناها هامدة ومهجورة ، لتكشف عن كنوزها لصالح جهات ومافيات عالمية عبر وكلاء محليين تمثلها شخوص داخليه عميلة وانتهازية و مليشيات وحركات مسلحة تجد في الفوضى فرصة العمر لابتلاع الأرض قبل أن تبتلعها الرمال.
معادن نبيلة في مرمى النهب القادم:
غير أن الخطر الأكبر يلوح في أفق لا يبعد كثيراً. فالمشاهدون عن كثب لهذا الجنون التعديني يخشون أن يكون الذهب مجرد غطاء وبداية، وأن ما يحدث تحت زريعة (غطاء) التنقيب عن الذهب هو تمهيد لـ نهب المعادن النبيلة الأخرى (Noble Metals)، تلك الكنوز التي تفوق الذهب قيمة في عالم الغد. وكذلك ان هذا الحيز المبارك بل والمقدس هو الجيبولتيك الحيوي لتاريخ وجغرافيا الانبياء المسروق عمدا.. اي ان الحفريات التي تتم في هذا الحيز لا يستبعد وجود بعثات اثارية استكشافية عالمية تحاول ايجاد حلقات التاريخ المفقودة من تاريخ البشرية والديانات والحضارة . والمصدر الأكبر للخوف ينبع من صحراء بيوضة الشاسعة، تلك البقعة من الأرض السودانية التي تمتد في ولاية نهر النيل وشمالها، والتي تُعتبر واحدة من أغنى مناطق العالم بالمعادن الإستراتيجية وتاريخ الحضارات والانبياء. ففي جوف صحراء بيوضة، التي تتعرض الآن للتفتيت والنهب تحت ستار الحرب، تتواجد كميات هائلة من الليثيوم (Lithium)، ذلك المعدن الذي يطلق عليه اليوم “معدن الطاقة”، والمكون الأساسي لبطاريات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة المتجددة. عالم يلهث خلف الليثيوم، وها هو السودان يقدمه لهم على طبق من دماء أبنائه. وبجواره يتواجد اليورانيوم، أغلى معادن العصر النووي ومصدر الطاقة الأقوى والأخطر. وبقية المعادن الأخرى التي لا تقل أهمية، والتي يتم تهريبها الآن مع الذهب، دون أن يسجلها أي سجل رسمي، ودون أن تدرّ على السودانيين الجائعين دولارا واحداً.
إن الخشية الحقيقية هي أن تتحول صحراء بيوضة إلى مستعمرة تعدينية مفتوحة، تنقل فيها هذه الثروات العظيمة، التي يمكن أن تنهض بالبلاد وتجعلها دولة رائدة في طاقة المستقبل، إلى حطام تُسرقه عصابات المليشيات ووكلاء الشركات العالمية الجشعة، تحت أنظار عالم مشغول بحروب الآخرين. إنها جريمة بحق الأجيال القادمة، فكيف يمكن الحديث عن تنمية واعمار في وطن تُنهب فيه مقومات مستقبله قبل حاضره؟
اتفاقية جوبا.. حين صارت الوزارة غنيمة قبلية:
أما المفارقة الأكثر إيلاماً، فتتجسد في الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام (31 أغسطس 2020). تلك الاتفاقية التي كانت مفترضة أن تكون بوصلتنا نحو سلام عادل، تحولت إلى ترخيصٍ صريح للنهب. فبموجبها تسلمت احدي الحركات وزارة المعادن، ليس لتنظيم القطاع وحمايته، بل لتسنّم قيادة عملية احتكار كل ما يتعلق بالذهب ثم الليثيوم واليورانيوم بعد ذلك. فالقادة الذين عادوا من جوبا ومعهم عقود من “النضال” المزعوم لم يلبثوا أن حوّلوا الوزارة إلى إقطاعية قبلية، يوزعون فيها تنظيم التعدين ومدخلاته من آليات وكيمياويات على أبناء قبيلتهم دون سواهم، في مشهد فساد أعمى لا تستطيع خرائط السودان كلها رسم حدوده.
الزئبق المحرّم.. سم باسم التنقيب:
والجريمة لا تتوقف عند الاحتكار، بل تمتد إلى جريمة بيئية وإنسانية هائلة: الاستمرار في استيراد واستخدام الزئبق الذي حرمته اتفاقية ميناماتا في العام ٢٠١٧م الدولية بأشد العبارات ودخلت حيز التنفيذ في العام ٢٠٢٠م . تلك المادة السامة التي تتحول إلى سم في شرايين العاملين وأجساد الأطفال والارض.. وتتدفق عبر مجاري الأنهار، تُستخدم في عمليات التعدين التي تسيطر عليها الحركات المسلحة وكأنها مياه عذبة. إنه تحدٍّ صارخ للقانون الدولي، وتفريط متعمد بحياة السودانيين وسلامة بيئتهم، كل ذلك باسم “تطوير التعدين الأهلي”. فلا عجب أن ترصد الأقمار الصناعية تلك الندوب السوداء المنتشرة في الصحراء، إنها قبور بيئية مفتوحة.
من صحراء بيوضة إلى القنب والاوليب الي ابوحمد ..الي دلقو .. الي البطانه..الي شمال كردفان. خراب متكامل.. في هذا السياق الكئيب، تنهار كل محاولات توصيف الكارثة. ففي الوقت الذي اختنقت فيه البلاد برائحة البارود ومجاهدة البقاء خشية الفناء، كانت مليشيات الدعم السريع تنقض على مناجم جبل عامر ومواقع التعدين في شمال السودان وشمال كردفان وشرق السودان لتموّل حربها المدمّرة. ولم تكتفِ بالاستيلاء على مصفاة الذهب واحتياطيات الذهب التي تجاوزت قيمتها 150 مليون دولار، بل فتحت شهيتها على شبكات تهريب دولية تمر عبر الإمارات وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وكينيا.
أمام هذا السيناريو الكئيب، ليس للإنسان سوى خيار وحيد: إما أن يظل السودان أسيراً لهذه العصابات والشخوص المشوهة التي تحكمنا باسم اتفاقية اكلت افعالها منسأتها؛ والتي تلتهم أرضه وشعبه، لتتحول أفضل أراضيه وكنوزه إلى مقابر جماعية ووديان للموت، وإما أن يثور على هذه اللصوصية المقننة، ويرفع صوته عالياً في وجه العالم: لا لتجارة الموت بذهبنا ومعادننا النفيسة والنبيلة الأخري وتاريخنا واثارنا المباركة. لا لاتفاقية صارت غطاء للنهب. لا لزئبق يقتل أبناءنا. لا لنهب معادن مستقبلنا. لا لدولة توزع ثرواتها على مليشياتها. حان الوقت لصيحة ضمير عالمي، تقطع الطريق على آلة الحرب المجنونة هذه، وإلا فسيظل السودان جثة هامدة تتصارع على أوصالها الكلاب الضالة، باسم الثروات التي أضاعت أرواحنا.



