خارطة طريق أم إعادة إنتاج الفوضى؟ كيف يكرر المقترح الأمريكي للسودان أخطاء الماضي في دول أخرى؟

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك:
عندما تطرح واشنطن مقترحاً جديداً للسودان يظن القارئ لأول وهلة أن الولايات المتحدة تحاول ملء فراغ سياسي وفتح نافذة للحل، لكن كل بند تقريباً يعكس قراءة غير مكتملة لطبيعة الصراع.
التحليل الهادئ يكشف أن المسودة أقرب إلى رؤية هندسية لأزمة ليست هندسية بطبيعتها، تماماً كما حدث في العراق وليبيا وأفغانستان حين تم التعامل مع دول معقدة وكأنها مشاريع يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها من الخارج.
دعنا نمر على البنود الأساسية للمقترح الأمريكي حسب تقرير قناة العربية، ونرى أين تكمن الإشكالات وما الذي تقوله التجارب الدولية المشابهة.
المقترح يفترض أن وقف النار سيصبح قابلاً للتنفيذ بمجرد إعلانه، هذا بالضبط ما حدث في أفغانستان عندما رعت واشنطن اتفاقات وقف مؤقت للعمليات بين الحكومة وطالبان. النتيجة كانت واضحة بعد أشهر حيث وسعت طالبان نفوذها لأنها استغلت الهدنة لإعادة التموضع. فوقف النار دون ضمانات حقيقية ودون قوة مراقبة محايدة يخلق فراغاً تستفيد منه الجهة التي لديها دعم عسكري وتنظيمي خارجي.
السودان اليوم لديه بيئة مشابهة من خرائط نفوذ متحركة، وسلاح غير خاضع لسلطة الدولة، وقوى إقليمية تتدخل لصالح المليشيا فينا يبدو برضا دولي تتزعمه واشنطن نفسها. بالتالي الهدنة غير المحمية ليست حلاً بل أداة لإعادة إنتاج المعركة.
كما يتحدث مقترح واشنطن عن عملية سياسية تقودها القوى المدنية، المشكلة ليست في المبدأ بل في تعريف القوى المدنية نفسها. النموذج الليبي يقدم مثالاً واضحاً.
هناك أيضاً ظهرت مبادرات دولية تعتمد على مجموعات مدنية جرى اختيارها بناء على قربها السياسي من الرعاة الدوليين أكثر من قربها الاجتماعي من المجتمع الليبي، والنتيجة كانت انقساماً إضافياً لأن أي عملية سياسية لا تستند إلى وزن اجتماعي داخل البلد تتحول إلى صفقة غير قابلة للحياة، والسودان يشترك مع ليبيا في السمة نفسها حيث المجتمع السياسي منقسم والقوى المدنية غير موحدة، والواقع العسكري يفرض شروطه على الأرض أكثر من أي وثيقة سياسية.
كذلك فإن الإقصاء الشامل للإسلاميين يبدو جذاباً من بعيد لأشباه الساسة ومحللي الغبن لكنه كارثي عند التطبيق، أبرز مثال لذلك هو قرار اجتثاث البعث في العراق 2003 الذي أدى إلى انهيار كامل في البيروقراطية والإدارة المدنية. تم استبعاد عشرات الآلاف من الضباط والموظفين فانتقل كثير منهم مباشرة إلى صفوف التمرد المسلح وكانت النتيجة حرباً أهلية لعشر سنوات.
السودان لديه تجربة قريبة من هذا. محاولة إقصاء تيار كامل دفعة واحدة لا تؤدي إلى انتقال ديمقراطي بل إلى خلق مظلومية عميقة تجعل كل عملية سياسية رهينة بالثأر السياسي. المطلوب ليس الإقصاء بل الفرز القانوني عبر قضاء مستقل ومحاسبة فردية لا جماعية.
المقترح الأمريكي يريد إبعاد الإسلاميين من الجيش كما لو أن المؤسسة العسكرية تُعاد هندستها بقرار سياسي خارجي. اليمن جرب بالضبط هذا النوع من التدخل. عندما ضغطت الأطراف الدولية لإعادة تشكيل الجيش بطريقة سياسية ظهرت جيوش موازية ومراكز قوى متصارعة. في النهاية انهارت المنظومة الأمنية كلها خلال أسابيع أمام الحوثيين.
الدرس واضح وهو إن أي إعادة تشكيل للجيش في وقت حرب هي خطوة محفوفة بالمخاطر خاصة إذا تمت بمعايير سياسية لا مهنية. أي مؤسسة عسكرية منقسمة تصبح غير قادرة على حماية الدولة بل تتحول إلى ساحة صراع داخلي.
بعد استقلال جنوب السودان راهن الوسطاء الدوليون وعلى رأسهم أمريكا على أن دمج كل القوى المسلحة في جيش واحد سيخلق الاستقرار. الدمج حدث بالفعل ولكن دون رؤية واضحة للعقيدة العسكرية ولا هيكل القيادة ولا أسس الانضباط. بعد سنوات قليلة انقسم الجيش نفسه إلى فصائل وتحولت البلاد إلى حرب أهلية قاسية.
السودان يواجه المخاطر نفسها فالدمج خيار مفيد على المدى الطويل لكنه يحتاج إلى بيئة مستقرة وإلى سلطة مركزية قادرة على فرض الانضباط وإلى سنوات من التدريب وإعادة البناء.أي محاولة لفرضه تحت ضغط سياسي أو زمني لن تخلق جيشاً موحداً بل مؤسسة هشة تتشظى عند أول اختبار.
المقترح الأمريكي غير قابل للحياة ليس لأن نواياه سيئة بالضرورة، لكن لأنه يعيد استخدام أدوات أثبتت فشلها في تجارب مشابهة. واشنطن تميل إلى الحلول السريعة بينما الأزمة السودانية تحتاج إلى مسار طويل يقوم على ركائز أساسية تتمثل وقف إطلاق نار بضمانات ومراقبة محايدة لا تتدخل فيها القوى الإقليمية الداعمة للمليشيا أو القوى الدولية التي تغض الطرف عنها، ويحتاج إلى عملية سياسية نابعة من الداخل تعكس توازن القوى الحقيقي لا رغبات الدبلوماسيين، وإصلاح أمني تدريجي تقوده الدولة نفسها وبناء على خبرتها لا وفق أجندة خارجية.
السودان لا يحتاج خريطة طريق جاهزة بل يحتاج من يفهم أن بناء الدولة عمل تراكمي لا تكتب مسودته في مكتب بعيد. وإذا لم تُراعَ هذه الحقيقة ستظل كل المبادرات مجرد أوراق إضافية تنضم إلى رف طويل من المقترحات التي لم تصلح شيئاً ولم تمنع شيئاً.



