اجتماعات القوى المدنية السودانية في نيروبي.. خطوة إلى الأمام أم دوران في الحلقة نفسها؟

وائل عبدالخالق مالك:
رشح في الاخبار ما يفيد بقيام اجتماع سياسي في نيروبي. اجتماع يضم “صمود” و”تأسيس” و”الشعبي” و”البعث” وحركة عبد الواحد محمد نور تحت سقف واحد لأول مرة، خطوة قد تبدو للبعض مثل إشارة على بداية اصطفاف مدني جديد. لكن حين نقرأ تفاصيل المشهد بعين أكثر هدوءاً، الصورة تصبح أقل رومانسية وأكثر تعقيداً.
ما يلفت النظر ان هذا اللقاء لم يأتِ بعد حوار وطني داخلي، ولا نتيجة ضغط شعبي يدفع القوى المدنية إلى توحيد صفوفها، بل جاء استجابة لمعادلات دولية تتحرك بحثاً عن صيغة توقف الحرب. وهكذا لقاءات سريعة لا تصنع جبهة سياسية بل تجمع متباينات مؤقتة حول ورقة مبادئ تحتاج لاحقاً إلى ما هو أكبر من التوافق النظري.
من حيث المبدأ فان جمع هذا العدد من القوى في مكان واحد يخلق انطباعاً بأن شيئاً يتحرك. لكن المشكلة لم تكن يوماً غياب الاجتماعات. المشكلة أن هذه القوى لا تشترك في تصور موحد لطبيعة الأزمة نفسها ناهيك عن طريق الخروج منها.
تحالف صمود مثلاً حسب خطابه ظل يرفض أي عملية سياسية تُقحم القوى العسكرية والميليشيات في ترتيبات الحكم بينما قوى أخرى في الاجتماع لا ترى مانعاً في إدارة حوار واسع يضم الجميع. هذه الفجوة في الرؤية ليست تفصيلاً بل جوهر المسألة.
النتيجة هي أن الاجتماع قد يفتح نافذة صغيرة للحوار لكنه لا يُنهي الانسداد السياسي بل قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد لأن بعض الأطراف كالعادة ستبدأ في ادعاء التمثيل الأوسع دون أن تمتلك تفويضاً حقيقياً من الشارع أو من قوى الحرب نفسها.
الحكومة السودانية لن تنظر للاجتماع إلا بوصفه محاولة لتكوين منصة سياسية موازية خصوصاً أنه يأتي في ظل توتر دبلوماسي بين الخرطوم ونيروبي حول استضافة اجتماعات تأسيس في السابق. من الطبيعي أن تتعامل الحكومة مع هذا اللقاء كتهديد سياسي أكثر منه فرصة للحل.
أما القوى السياسية المتحالفة مع الجيش فهي أصلاً تنظر لكثير من هذه القوى المدنية باعتبارها غير جديرة وغير قادرة على تقديم بديل سياسي جدي. اجتماع نيروبي بالنسبة لها يؤكد الفكرة لا ينقضها لأنه يجمع أطراف متباعدة فكرياً وبرامجياً بلا منهج عمل مشترك أو رؤية متكاملة سياسية وأمنية واضحة لما بعد الحرب.
كثيراً ما يتردد ان هذه القوى تدعم المليشيا وتعمل في تنفيذ مخطط يخدم دولة العدوان الإمارات، وهذا الامر تحتاج قراءته إلى تبريد الانفعال قليلاً. حضور بعض القوى المدنية في منصة واحدة مع تحالف تأسيس الذي يمثل مليشيا الدعم السريع لا يعني تلقائياً دعمه العسكري أو السياسي. في السياسة خصوصاً أثناء الحروب غرف الاجتماعات تجمع أحياناً من يرفضون بعضهم في الميدان. مع ذلك لا يمكن تجاهل أن هذه الخطوات تمنح مليشيا الدعم السريع مكسباً غير مباشر يتمثل في صورة مفادها أن هناك قوى مدنية مستعدة للتعامل معه كطرف سياسي حتى لو لم يكن هذا هو قصد المشاركين. وهذا مكسب معنوي وسياسي تتحرك المليشيا لاستثماره دائماً.
الخطورة هنا ليست الدعم بل الغموض. كلما غابت الرسائل الواضحة حول الموقف من الميليشيا اتسعت مساحة التأويل، وكلما اتسعت مساحة التأويل زادت قدرتها على اللعب في المنطقة الرمادية وهو عين ما حدث في بداية الحرب عندما غضت القوى المدنية طرفها عن جرائم وانتهاكات المليشيا.
اجتماع نيروبي يكشف أن القوى المدنية ما تزال تحاول ملء الفراغ السياسي الذي تركته الحرب، لكنها تفعل ذلك ببطء ومن مواقع متباعدة وبأدوات لا تتناسب مع حجم الأزمة. ويكشف أيضاً أن المجتمع الدولي يبحث عن مخارج لكنه يضغط باتجاه توليفات سياسية لم تختبرها بيئة السودان من قبل.
أما بالنسبة لنا كشعب الذين ندفع ثمن الحرب يومياً فنحن نرى كل هذه الاجتماعات بالطريقة نفسها. كلام كثير على طاولات الاجتماعات وواقع ثقيل واسرار وصفقات سياسية تحت الطاولات، ولا مؤشرات حقيقية على وجود حلول ناجعة.
اجتماع نيروبي لا يصنع اختراقاً ولا يفاقم الكارثة وحده. لكنه يكشف حجم التشتت المدني ويفتح الباب لأسئلة أكبر من حجم المشاركين أنفسهم مثل من الذي يمسك بالدفة السياسية للحظة السودانية الراهنة ويحركها؟ ومن يملك التفويض؟ ومن يملك القدرة الحقيقية على التأثير في مسار الحرب وقضايا البلاد؟
هذه الاسئلة مطروحة على الجميع ان كانوا يملكون جرأة الاجابة، وحتى تتضح هذه الأسئلة ستظل هذه اللقاءات تتحرك على السطح بينما تبقى جذور الأزمة عميقة في الأرض تنتظر من يعالجها بجدية ونزاهة ورؤية لا تخشى الحقيقة.



