نزع الأرض أم نزع الفشل؟.. حين يتجاوز القضاء حدوده في ملف مشروع الجزيرة

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك:
جاء في الأخبار حسب تقرير الجزيرة نيوز الذي أعدته الاستاذة محاسن عمر نصر ما يفيد بطرح قانوني مثير قدمه رئيس الجهاز القضائي بولاية الجزيرة مولانا عبدالمنعم بلة في ورشة القوانين واللوائح المنظمة للعمل بمشروع الجزيرة يدعو فيه إلى نزع ملكية أراضي مشروع الجزيرة وتحويلها إلى ملكية عامة للدولة باعتبار ذلك مدخلًا لإصلاح الاختلالات الإدارية والقانونية وضبط النزاعات المرتبطة بالحيازة والإدارة.
الطرح تم تقديمه بوصفه استجابة لأزمات مزمنة عطلت الإنتاج وأضعفت الحوكمة مع وعود بحماية حقوق المزارعين واستعادة الدور التاريخي للمشروع، وهو ما يفتح نقاشًا جوهريًا حول حدود الإصلاح ودور الدولة وحقوق الملكية في واحد من أكثر الملفات حساسية في السودان.
في مدخل هذا النقاش يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه وهو هل ما صدر عن رئيس الجهاز القضائي يندرج أصلًا ضمن حدود مهامه؟ فرئيس الجهاز القضائي دوره محدد وواضح في تطبيق القانون والفصل في النزاعات لا اقتراح سياسات عامة ولا رسم توجهات تشريعية تمس جوهر حقوق الملكية. التدخل بإبداء رأي سياسي أو إداري حول نزع ملكية أراضي واسعة النطاق يتجاوز الوظيفة القضائية إلى مجال السلطة التنفيذية والتشريعية ويربك مبدأ الفصل بين السلطات. الخطر هنا ليس في الرأي ذاته بل في صدوره من موقع يفترض فيه الحياد، لأن القاضي الذي يقترح النزع قد يجد نفسه لاحقًا حكمًا في نزاعات نتجت عنه وهو وضع يضعف الثقة في العدالة قبل أن يصلح الزراعة.
مشروع الجزيرة يعاني فعليًا من فوضى قانونية وإدارية مزمنة تتمثل في تعدد القوانين وتضارب الصلاحيات وضعف الحوكمة وتآكل دور الدولة كمنظم لا كمستثمر. فالنزاعات حول الحيازة والإدارة عطلت الإنتاج وأفقدت المشروع قدرته على العمل كنظام واحد. من هذه الزاوية فإن حديث رئيس الجهاز القضائي عن الحاجة إلى إطار ملكية واضح ومركزي مفهوم بل مشروع من حيث الهدف. لكن الوسيلة المقترحة تفتح إشكاليات أخطر من المشكلة نفسها.
أولًا من زاوية القانون الدستوري وحقوق الملكية فإن
حق الملكية الخاصة ليس تفصيلًا إجرائيًا بل مبدأ دستوري راسخ في كل النظم القانونية الحديثة بما فيها السودان عبر دساتيره المتعاقبة. نزع الملكية لا يكون مشروعًا إلا بثلاثة شروط صارمة:
وجود منفعة عامة حقيقية ومحددة.
صدور النزع عبر قانون واضح لا قرار إداري أو إرادة سياسية.
تعويض عادل وفوري يراعي القيمة الاقتصادية والاجتماعية للأرض.
الخبر بصيغته الحالية يتحدث عن إرادة سياسية أكثر مما يتحدث عن سند دستوري أو تشريعي. وهذه نقطة ضعف جوهرية، فالإرادة السياسية لا تنشئ حقًا ولا تسقط حقًا خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملكية تعود لعشرات الآلاف من الأسر منذ أجيال.
أي نزع ملكية شامل لأراضي مشروع الجزيرة دون استيفاء هذه الشروط سيعد قابلًا للطعن الدستوري ومصدرًا لنزاعات قضائية أوسع مما هو قائم الآن وسابقة خطيرة في علاقة الدولة بالمواطن المنتج.
ثانيًا: من الزاوية الإدارية والحوكمة فإن الافتراض الضمني في الطرح هو أن الدولة ستكون مديرًا أفضل من الملاك الحاليين. هذا افتراض غير صحيح بل يناقض التجربة السودانية نفسها. فمشروع الجزيرة فشل تاريخيًا عندما تحولت الدولة من منظم إلى مالك ومدير مباشر وأُضعفت استقلالية المزارع وتمت إدارة المشروع بعقلية بيروقراطية لا إنتاجية.
الخلل ليس في طبيعة الملكية بقدر ما هو في غياب حوكمة شفافة وضعف المحاسبة وتسييس الإدارة بالإضافة إلي تفكيك اتحادات المزارعين المستقلة. بالتالي فإن نقل الملكية للدولة دون إصلاح هذه العوامل يعني ببساطة نقل الأزمة من يد إلى يد لا حلها.
ثالثًا: البعد الاجتماعي والنفسي للمزارعين حيث أراضي مشروع الجزيرة ليست مجرد وحدات إنتاج بل هي ذاكرة أسر واستقرار اجتماعي وهوية اقتصادية.
نزع الملكية حتى لو تم تسويقه تحت لافتة الإصلاح ستتم قراءته اجتماعيًا كانتزاع للكرامة وإضعاف للأمان الاقتصادي وعودة لذهنية الوصاية على الريف. وهذا خطر حقيقي في ظرف وطني هش حيث الثقة بين الدولة والمجتمع في الجزيرة شبه معدومة. أي إصلاح لا يضع هذه الحقيقة في قلبه محكوم بالفشل.
البديل الواقعي هو الإصلاح، وهو ممكن دون كسر حق الملكية عبر مسارات أكثر اتزانًا تتمثل في توحيد الإطار القانوني لمشروع الجزيرة مع إلغاء القوانين المتعارضة.
وتحويل الأرض إلى ملكية خاصة مقيدة بالنشاط الزراعي لا للبيع أو المضاربة. وإنشاء هيئة مستقلة لإدارة المشروع تشارك فيها الدولة والمزارعون وخبراء مستقلون. وعقود انتفاع طويلة الأجل أو شراكات إنتاجية لا نزع ملكية مع ضرورة إعادة بناء اتحادات المزارعين على أسس أهلية وديمقراطية حقيقية.
ما تم طرحه من رئيس الجهاز القضائي يعكس تشخيصًا جزئيًا صحيحًا لكنه يقترح علاجًا قد يكون أخطر من المرض. فإصلاح مشروع الجزيرة لا يحتاج إلى نزع ملكية بل إلى نزع الفشل الإداري ونزع التسييس ونزع الوصاية.
الدولة القوية لا تبدأ بإلغاء حقوق مواطنيها بل بتنظيمها وحمايتها. وأي إصلاح يتجاهل هذه القاعدة حتى لو كان حسن النوايا سيفتح باب نزاعات لن يغلق بسهولة.




