مقالات

خط أحمر في اليمن وتحالف جديد في السودان

محمد بابكر:

في ليلة شتوية هادئة من ديسمبر 2025 أُلقي حجر ثقيل في مياه السياسة الإقليمية الراكدة لم يكن مصدره ضجيج معركة بل كلمات حاسمة أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في خطاب متلفز سيذكر طويلاً رسِم “خط أحمر” واضح في اليمن لم يكن موجهاً للخصوم التقليديين بل لحليف الأمس القريب الإمارات العربية المتحدة.
هذا التحذير التاريخي لم يكن مجرد خلاف عابر بل كان الشرارة التي كشفت عن صدع جيوسياسي عميق ودفعت الرياض لتسريع بناء “تحالف الضرورة” مع القاهرة وأنقرة وهو التحالف الذي وجد في رمال السودان الملتهبة أرضاً صلبة يقف عليها.

لم تكن الخلافات السعودية الإماراتية سراً لكنها بقيت لسنوات همساً في أروقة الدبلوماسية. خطاب ولي العهد السعودي حوّل هذا الهمس إلى صرخة مدوية. عندما قال بنبرة لا تقبل التأويل
“إن أمن اليمن واستقراره ووحدة أراضيه هو خط أحمر وأي دعم لأجندات انفصالي هو أمر لن يتم القبول به كان يضع حداً لسياسة “ازدواجية الولاء” التي شعرت الرياض أن أبوظبي تمارسها في اليمن.

فبينما كانت المملكة تستنزف دبلوماسياً وعسكرياً لتوحيد الصف اليمني وإنهاء الحرب كان الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي يقوض هذا الجهد من الداخل.

كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر التحالف واللحظة التي أدركت فيها الرياض أن مصالحها الاستراتيجية العليا تتطلب البحث عن شركاء أكثر موثوقة شركاء يؤمنون بسيادة الدول ووحدتها لا بتفتيتها.
إذا كان اليمن هو ساحة الافتراق مع أبوظبي فإن السودان أصبح بشكل متزامن مسرحاً لتلاقي المصالح الاستراتيجية للمحور الجديد. ففي الخرطوم انعكست صورة اليمن بشكل مقلوب حيث وجدت الرياض نفسها في خندق واحد مع مصر وتركيا لدعم مؤسسة الدولة الشرعية ممثلة بالجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً.

هذا التوافق لم يعد مجرد تحليل بل ترجم إلى خطوات عملية على أعلى المستويات. ففي تطور لافت حطّ رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان رحاله في أنقرة حيث استقبله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لم تكن الزيارة مجرد لقاء بروتوكول بل كانت اجتماع عمل استراتيجي تم فيه التأكيد على الدعم التركي الكامل لوحدة السودان ومؤسساته الشرعية.
هذه الصورة للبرهان بجانب أردوغان كانت رسالة بليغة موجهة لكل الأطراف الإقليمية مفادها أن الجيش السوداني ليس معزولاً وأن محور دعم الدول الوطنية قد انتقل من التنظير إلى التنفيذ.

وهكذا أصبح الموقف من السودان هو الإسمنت الذي يربط حجارة المحور الجديد محور يجمعه هدف مشترك وواضح هو منع انهيار الدول الوطنية لصالح مشاريع الميليشيات.

هذا التقارب السياسي ترجم سريعاً إلى شراكة ملموسة. المصافحة التاريخية بين الرئيسين المصري والتركي التي باركتها الرياض تطورت إلى عودة المناورات البحرية المشتركة “بحر الصداقة” ومحادثات متقدمة حول التصنيع العسكري المشترك.
لم تعد المسألة مجرد تصفير للمشاكل بل بناء قوة إقليمية قادرة على فرض توازن جديد في المنطقة من شرق المتوسط إلى باب المندب.
خطاب ولي العهد السعودي لم يكن مجرد تحذير للإمارات بل كان إيذاناً بميلاد عقيدة سعودية جديدة أكثر استقلالية وحزماً.
لقد أثبتت أحداث اليمن والسودان وزيارة البرهان لأنقرة أن التحالفات لا تبنى على التاريخ المشترك فحسب بل على تطابق المصالح والرؤى الاستراتيجية في اللحظة الراهنة. واليوم تجد الرياض في القاهرة وأنقرة شريكين يشاركانها القلق من سياسات “الفوضى الخلاقة” ويدعمان رؤيتها لمنطقة تقوم على استقرار الدول لا على نفوذ الميليشيات.
لقد بدأ الشرق الأوسط بالفعل في إعادة تعريف تحالفاته ويبدو أن “محور الضرورة” هذا هو أول ملامح الخريطة الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى