لم تكتمل فرحتهما بإطلالة (رُبٓا) حتى فاجأتهما الحرب بوجهها القبيح

في رحلة الهروب من مدني إلى سنار ، جف اللبن في صدر الأم بسبب الرعب ، ولم تعد تستطيع إرضاع طفلتها ..!!
يوسف أصم مثلي، هو شريكي في الحياة وسندي ، وتلك قصة أخرى..
مكابدة زوجين من الصم وسط ويلات الحرب ومعاناة النزوح ،كما حكتها سوسن العبد، للصحفي عبدالله رزق ابوسيمازة
(١)
شاءت الأقدار أن أكون بعيدة عن سكني بيتي في الكدرو، بالخرطوم بحري ، وبالتالي ، بعيدة عن مركز الأحداث المأساوية الدامية التي تجري من بعد ظهر الخامس عشر من ابريل ، ومع ذلك ، لم نكن بعيدين عن مركز الخوف والقلق ، إزاء مصائر بعض أعضاء اسرتنا هناك . فوالدي وزوجي ، لازالا بالعاصمة ، بينما جئت هنا ، الي بيت أبي وأمي ، في الفادنية، انتظر مولد طفلتي الجديدة . رُبٓا ، التي استحقت ، في نظر بعض معارفنا ، أن تحمل لقبا مستوحى من الحرب، وربما قد تستحق ، في تقديرهم ، آخر مستعار من النزوح ، الذي شمل ثلاث ولايات ، قبل أن نعود للكدرو، أيضا.. …
صغيرتي ( ربا )، كان والدها ، هو من اختار لها هذا الاسم ، والذي يعني الأمكنة المرتفعة ، وقد سبق مولدها اندلاع الحرب بعشره ايام. لذلك أطلق عليها بعض معارفنا ، لاحقا ، لقب (بنت الحرب) ، وقد جاءت
بعد ثلاثة أطفال ( ريان ورتاج ومرتضي). هم ذخرنا في هذه الدنيا وعندما تم الهجوم على مدني كان أكثر ما كنا نخشاه أن يستهدفنا الهجوم ، ونفقدهم….
كان يوسف ، زوجي ، شريكي وسندي في الحياة ، هو أول من أخبرني باندلاع الحرب. لازلت اتذكر كيف كانت تعابير الحزن والقلق ، وتساؤلات الخوف من المجهول ، ترتسم على تعابير وجهه ، مثلما ارتسمت على ملامحي فيما بعد . كان قد جاء لتوه من اجل عمل( السماية) لابنته ، بينما كان والدي لازال في امدرمان، وقد انقطع التواصل معه لأن تلفونه كان مغلقا. غير أنه عاد بعد أيام، وقال انه نجا من الموت باعجوبه ، ومع ذلك أصر يوسف على العودة إلى العاصمة ، التي تعيش تحت القصف ولعلعة الرصاص ، والقتل والنهب ، وفوضى الحرب، لإخراج أمه واخته المقيمتين ، حتى الآن في الكدرو ، لذلك غادر الى الخرطوم ، وقام بإخراج أسرته وتوجه بها إلى كوستي . كنت قد سافرت إلى ( الفادنية) مسقط رأسي ومرتع صباي ، حيث انتظر ميلاد ابنتي الصغيرة ، (ربا) . وتقع قرية (الفادنية) بالقرب من مدينة ودراوه ، بولاية الجزيرة.
وهي قرية تقع على جانب الطريق الشرقي الذي يربط مدني بالخرطوم ، وكان الجيش القادم من مدني إلى الخرطوم، يمر علينا بشكل شبه يومي ، وكانت تلك مناسبة لاهل القرية والقرى المجاوره ، لاظهار ما يتصفون به من كرم ، بذبح الذبائح واقامة الولائم على طول الطريق للجنود ، والاصرار على كل مجموعة عسكرية أن تتوقف لتناول الطعام ، قبل أن تواصل سيرها نحو العاصمة ، احتفالا بالجندية واكراما للجندي ، الذي ينظر إليه كثير من السودانيين ، باعتباره تجسيدا لـ” الرجالة ” ، التي تنطوي ، بدورها ، على مجموعة من القيم التي يحتفي بها المجتمع منها الشجاعة والبطولة والفدائية والشهامة والمروءة .
انفجار أسوأ مأساة
إنسانية في العالم :
وفي العاشر من رمضان حين أطلت (رُبا) ، كان والدها
لا زال في العاصمة ،حيث بيتنا في الكدرو ، وحيث يعمل بركشه يملكها . وبعد مرور اسبوعين من ميلادها حضر ،لعمل ( السماية) . لكن لم يمر سوى يوم واحد على مجيئه ، حتى اندلعت الحرب. وصار الناس هلوعين ، اغلبهم غير مصدق ماحدث . والبعض نفى أن يكون ما حدث ومايحدث حربا ، وجزم بأنه مجرد تمرد ، وسيتم القضاء عليه في وقت قريب . غير أن أكثر المتشائمين ما كان يظن أنها سوف تكون بكل هذه البشاعة. كان احساس الخوف على الوطن طاغيا ، بشكل لا يوصف . فما دامت رحى الحرب قد دارت ، فإن الدمار حاصل لا محاله.
عندما أكملت شهرين رأى زوجي ان نتوجه إلى ولاية النيل الأبيض ، حيث مسقط رأسه، نلتمس الطمأنينة ، حيث لازالت المنطقة بعيدة من القتال ، و آمنة.. وقضيت هناك وقتا ، حيث طاب لنا المقام في قرية الطويلة ، شمال كوستي وغرب الجزيرة أبا ، التي يفصلها عنها النيل الابيض، وهي قرية هادئة ، حبتها الطبيعة الكثير من الجمال ،ولاينقصها سوى العمران العصري.و يعتمد سكانها على الزراعة والرعي وتربية الدواجن..
اندمجت في حياة المجتمع البسيط هناك… عندما تشرق الشمس يهب الجميع للبحث عن لقمة العيش، وعندما ينتصف النهار تجتمع العائلات تحت شجر النيم ، لشرب القهوه والسمر . هكذا كانت تسير عجلة الحياة ، ومع ذلك قد لا تخلو من شيء من الرتابة ، وشيء من الملل. وقد قدر لي أن تشهد ، من ضمن ما شهدته في القرية ، قيام أحد المسؤولين باستجلاب جوالات من عيش الذرة (الفتريته) ، وزعم إن الحكومة كلفته بتوزيعها على المواطنين من سكان القرية . لكنه ادعى أن الكمية محدودة ، ولا تكفي سكان القرية ، ولذا قرر ، ابتداع سابقة غاية في الغرابة ، هي إجراء القرعة وسط سكان القرية لتحديد المستحقين من غير المستحقين ، ومن ثم فإن الكثير من المحتاجين قد خرجوا صفر اليدين . تكمن المفارقة ، في ان ماتم توزيعه لا يزيد عن نصف الكمية التي تسلمها بالفعل من الحكومة . واقسم شهود أن عدد جوالات الذرة التي تسلمها المسؤول ، الذي يتعرف الناس عليه لاحقا ، تحت عنوان ثري الحرب ، كانت كبيرة جدا ، وأنه اخفي نصفها ، ووزع النصف الآخر..
الهروب الكبير إلى سنار :
نسبة لضيق ذات اليد : توقف الأعمال ، وانعدام مصادر الدخل ، شح السلع الاستهلاكية وارتفاع أسعارها ، توجهنا إلى مدينة ودمدني ، واستقر بنا المقام في مدرسة الصم في مبنى هيئة البحوث الزراعية ، في غرب المدينة ،حيث اغلب أصدقاء زوجي يقيمون في المدرسة مع أسرهم . وعشنا هناك تحت رحمة المنظمات ، التي كانت تأتي كل شهر لتوزع المواد الغذائية على النازحين المقيمين في المدرسة: الدقيق والزيت والسكر والعدس والأرز وغيرها . ومثلما كان يحدث في الظروف العادية ، كانت المشاكل تنشأ بين النساء احيانا، بسبب الأطفال فيتدخل الرجال لفض الاشتباك ، يرافق ذلك تهديد بالطرد من المدرسة. فقد كانت مديرة المدرسة تأتي لتراقب الأوضاع ، بشكل مستمر.
لم تدم اقامتنا في مدني طويلا . حيث كان الهجوم من قبل كيكل وجنوده ، على عدد من قرى الجزيرة ، وما رافقه من اخبار مخيفة يتداولها الناس ، وهو يهربون ، التماسا للنجاة ، من مكان لآخر . وكانت الولاية قد ازدحمت ، من قبل ، بالقدمين من العاصمة ، خصوصا ، ومن شمالي الولاية ، التماسا للامان . تحتم علينا ، إذن ، الخروج ، باعجل ما يكون ، وترك كل شئ خلفنا : الملابس ، اواني الاكل والشرب ، ماتيسر من زاد . وقد استأجرت
الأسر الموجودة فى مدرسة الصم عربة دفار ، بهدف التوجه إلى القضارف. كانت حوالي
عشرين اسره مع أطفالها صعدت إلى الدفار ، وتركت امتعتها خلفها ، ايثارا للسلامة . إذ أن سلامه النفس أهم شئ. وقد بدأ التحرك من مدني الساعة التاسعة صباحا. وكانت ابنتي الصغيرة ، قد بلغ عمرها تسعه شهور . وبسبب الخوف ، المتفشي مع الأخبار المرعبة عن ” الموت المكشر ” جف اللبن في صدري ، ولم اعد استطيع ان ارضعها ، واستعنت بالبسكويت لاطعامها. اذكر أن بعض الأطفال الصغار أصيبوا بالحمى بسبب حرارة الشمس اللاسعة، وضيق عربة الدفار… كانت الوجوه مغبرة، وقد أصابها الوهن ، البدني والنفسي، من فرط طول الرحلة من مدني إلى سنار، التي لم تكن ، في الظروف العادية ، تزيد على الساعتين . وبسبب زحمة الطريق وصلنا إلى سنار الساعة التاسعة مساء. كانت رحلة قاسية . قضينا تلك الساعات الإثني عشر ، متراصين ، داخل عربة الدفار، مثل البهائم ، لدرجة انه لم يكن ممكنا للشخص أن يمد رجله ، ليعدل أو يغير من وضعه أو جلسته ،وسط هذا الزحام ، زحام السيارات ، كبيرة وصغيرة ، بجانب الركشات ، وعربات الكارو ، وحتى الدرداقات ، التي استخدمت ، بما لم يخطر ببال مخترعها ، حيث حملت المرضى أو كبار السن ، كنا نلتقي ، بين الحين والآخر ، وسط هذا الموكب الخرافي الذي يدب ببطء ، تحت وطأة حمولته البشرية ، ببعض الناس ، رجلين ، فيتوسلون لنا لنحملهم معنا ، رغم أن العربة تحمل فوق سعتها من الناس ، فنضطر لحملهم ، خصوصا النساء والأطفال ، ممايضطر الرجال للوقوف على ارجلهم، ليكملوا مأساوية المشهد لحدها الأقصى ، حيث كبار السن وقد انهكهم التعب الشديد ، في ظل انعدام الطعام ، لا للكبار ولا للاطفال ، عدا البسكويت ، الذي تم توزيعه على الرضع.
في سنار وجدنا الترحيب من الصم هناك وفتحوا لنا مدرسة الصم لكي نقيم فيها ، بعد أن اعتذرت مديرة مدرسة القضارف ، حين تواصلنا معها ، عن استضافتنا، ربما لازدحام المدرسة بالنازحين القادمين من مناطق القتال ، التماسا للنجاة ..
…. يتبع



