
د.معاوية عبيد:
يا الله نعي الناعي ( شيخ المهلة ) لا نقول إلا ما يرضي الله و رسوله إنا لله وإنا إليه راجعون ) و إنا لفراقك لمحزنون ) أخي وصديقي البدوي …
في حياة كل واحدٍ منا شخصٌ يترك أثراً لا يُمحى، وصديقي ذاك كان مزيجاً نادراً من الدعابة والإيمان، من البساطة والرسالة. بدأت معه أولى خطواتي في العمل الدرامي، والظهور علي مسرح العمل الإعلامي بصورة عامة وكان هو وجه الحكاية وابتسامتها الدائمة
لم يكن ممثلاً محترفاً، لكنه كان يتمتع بحضورٍ طاغٍ، وروحٍ مرحة تجعل الجميع يضحك حتى قبل أن ينطق بكلمة. كان ذكياً في تلقائيته، صادقاً في تمثيله، حتي في تعامله مع الناس تجده ضاحكاً و مبتسماً وكأن الكوميديا تجري في عروقه. لكنه لم يكن مجرد “رجل فكاهي”، بل كان إماماً لحلقات التلاوة في المسجد يصدح صوته بالقرآن بخشوعٍ يجبرك على السكون ، كان حمامة المسجد العتيق بحي الشاعديناب ذاك الحي الذي جمعنا ، كنا نتمتع بعنفوان الشباب شاركنا في جمعيات شباب الحي و شباب المسجد والنادي فكانت انطلاقة عمل متميز ظل في الذاكرة ، كان أصغر منا سنا لكنه أرجحنا عقلا ، أخيه الأكبر (الدسوقي قانديسي ) كان دفعتنا في الصفوف الدراسية الأولى ، -رحمه الله- أيضا كان كريما توفي أيضا شهيدا بعيدا عن أهله .
يا الله رحم الله الرجل الامة البدوي قانديسي (شيخ المهلة ساعة الحضره ، هناك مع النجمة) تلك هي مفاتيح مسرحية شخصية (شيخ المهلة) التي أصر الأخ البدوي أن اعتلي المسرح بها وفعلا ، كانت بداية ناجحة وفازت هذه المسرحية في كثير من الفعاليات على مستوى الولاية، وكنا نود أن نشارك بها على مستوى الدورة المدرسية بالمركز لكن لأنني ذهبت إلى الخرطوم دون عودة فانقطعت صلتي بتلك الفرقة ، لكن الأعمال ظلت خالدة في الذاكرة و كانت بداية مشوار لدخولي في مجال العمل الإعلامي بكل ضروبه ، إلا رحم الله الأخ ( البدوى قانديسي ) الرجل الفكاهي، وفوق كل ذلك، كان رجل برٍ وإحسان، لا يُعرف إلا بالعطاء، كريم النفس، سخيّ اليد. اعتاد أن يُكرم الضعفاء، ويقف إلى جانب المحتاجين في صمت، دون أن ينتظر شكراً أو يعرف الناس أفعاله. لا تفوته فرصة للخير، ولا تمر به حاجة لمسكين إلا وبادر ،كان الخير عنده طبعًا، لا تكلّفًا.

الراحل البدوي قانديسي
تناقضٌ جميل جمعه الله فيه: يُضحكنا على المسرح، ويُبكينا في محراب التلاوة، ويكسب القلوب بفعل الخير. هذا المزيج الإنساني العميق، هو ما جعل بدايتنا معاً مميزة، ومليئة بالدروس.
علّمني صديقي أن الفن لا يتعارض مع الإيمان، وأن الكوميديا يمكن أن تكون رسالة، وأن أجمل الأدوار في الحياة هي تلك التي نؤديها في الخفاء… حين نكون عونًا لغيرنا.
كلما تذكرت تلك البداية، تذكرت أنه ليس كل من يضحك كثيراً خفيف العقل، فقد يكون أثقلنا وقاراً، وأقربنا إلى الله، و رغم اننا لم نلتقي منذ اكثر من خمسة عشر عاما إلا أنني كلما تحدث معي شخص و نطق بكلمة ( هناك) اردد في سري (هناك ساعة الحضرة) و اتذكر أخي وصديقي (البدوي) و تلك البدايات وكنا دوما نرددها أنا و أخي الدكتور نجم الدين الشيخ متعة الله بالصحة و العافية الرجل الخلوق ، نرددها عندما نلتقي في القرية الوادعة (شاعديناب درو ) في الأعياد بعد ان فرقت بنا سبل الحياة ، العزاء لكل أهلنا في الشاعديناب و قرية قانديسي بمنطقة الزيداب و كل أصدقاء الفقيد و معارفه و اسأل الله كما جمعنا على مسرح الحياة أن يجمعنا علي مسرح الفردوس الأعلى.


