مقالات

استراتيجية الجيش لتجفيف شرايين الدعم السريع

من حروفي

خالد الفكي سليمان:

في مسرح العمليات الممتد عبر أقاليم كردفان، تمضي القوات المسلحة السودانية في تنفيذ عملية عسكرية نوعية وهادئة الإيقاع، عميقة الأثر، عُرفت ميدانياً بـ«مخالب النسر». وهي عملية تقوم في جوهرها على مبدأ استراتيجي كلاسيكي: كسر القدرة القتالية للخصم عبر تجفيف شرايين الإمداد والوقود، بدلاً من الانخراط في مواجهات استنزافية مفتوحة.

دون شك تعتمد العملية على إحكام السيطرة النارية والميدانية على الطرق الحيوية التي تربط بين شمال وغرب وجنوب كردفان، والتي شكّلت لوقت طويل خطوط إمداد رئيسية لمجموعات قوات الدعم السريع، سواء لنقل الوقود أو الذخائر أو تحريك الأرتال. وتُظهر مؤشرات الميدان أن الجيش يتبع نهج “الخنق التدريجي”، عبر ضربات دقيقة، وانتشار مرن، واستفادة محسوبة من الجغرافيا المفتوحة التي لطالما استثمرتها المليشيات لصالحها.

أعتقد أن الرهان الاستراتيجي هنا لا يقتصر على تعطيل الحركة، بل يتجاوز ذلك إلى “تصفير عداد الوقود والسلاح”، وهو تعبير عسكري يعكس استهداف القدرة على الاستمرار في القتال. فالمليشيات، التي تعتمد على المركبات الخفيفة والحركة السريعة، تصبح في حال انقطاع الوقود كتلاً معزولة، فاقدة للمبادرة، وسهلة الاستنزاف أو التفكيك.

وأرى أن السيناريوهات المتوقعة لهذه الاستراتيجية تشير إلى ثلاثة مسارات محتملة: الأول، نجاح الجيش في فرض طوق إمدادي كامل، ما يؤدي إلى تآكل سريع في الجبهات الطرفية للمليشيات وانسحابات اضطرارية. الثاني، لجوء الدعم السريع إلى فتح مسارات بديلة أكثر خطورة وكلفة، بما يزيد خسائرها البشرية واللوجستية. أما السيناريو الثالث، فهو انتقال المليشيات إلى نمط “الرد غير المتكافئ”.

وفي هذا السياق، تُقرأ كثافة استخدام الطائرات المسيّرة من قبل مليشيات الدعم السريع كأداة ضغط مضاد، خاصة عبر استهداف محطات الكهرباء في ولايات الشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض، إضافة إلى الخرطوم. ويهدف هذا التكتيك إلى نقل المعركة من أطراف الإمداد إلى العمق الخدمي، في محاولة لإرباك المشهد العام، وخلق ضغط نفسي واقتصادي على الدولة.

غير أن المعطيات تشير إلى أن «مخالب النسر» ليست عملية معزولة، بل جزء من رؤية أوسع لإعادة تشكيل ميزان القوة، حيث يراهن الجيش على الزمن، والانضباط العملياتي، وتحويل التفوق اللوجستي إلى حسم ميداني، يضع الحرب على سكة النهاية لا الدوران.

khalidfaki77@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى