محمد بابكر يكتب: إسرائيل والحرب السودانية بين العقيدة والمصالح الاستراتيجية

يشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً دامية بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المتمردة المدعومة من جهات خارجية في مقدمتها دويلة الإمارات.
يرى العديد من المراقبين أن هذه الحرب منذ لحظة اندلاعها لم تكن شأنا داخلياً محضا بل كانت نتيجة لتقاطع تدخلات إقليمية ودولية معقدة تبرز فيها إسرائيل كلاعب رئيسي يسعى لتحقيق أهداف عميقة ومتشعبة.
في الخطاب الشعبي والسياسي السوداني هناك طرح متجذر يؤكد أن إسرائيل تنظر إلى السودان من منظور عقائدي خاص.
وفقا لهذه الرؤية يعتبر السودان جزءاً مما يعرف بـ “أرض الميعاد” الكبرى.
يضاف إلى ذلك اعتقاد ديني لدى بعض الجماعات بأن “المهدي المنتظر” الذي سيحارب اليهود في آخر الزمان سيخرج من السودان مما يجعل البلاد في نظر إسرائيل مصدرا لتهديد عقدي و امني مستقبلي.
و بحسب هذا الطرح فإن إضعاف السودان وتغيير تركيبته السكانية يعتبر هدفاً دائماً لإسرائيل. ويتم تفسير الممارسات الوحشية من قتل وتهجير وتدمير ثقافي و التي وثقتها قوات الدعم السريع بنفسها عبر مقاطع فيديو ونشرتها على وسائط التواصل الاجتماعي على أنها ليست مجرد جرائم حرب عشوائية بل جزء من استراتيجية عقائدية ممنهجة تهدف إلى محو إرث وهوية الشعب السوداني وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
ومع سقوط نظام عمر البشير في عام 2019 دخل السودان في مرحلة انتقالية حساسة شهدت فراغا في السلطة وتنافسا حادا على ملئه.
هذه الفترة بحسب العديد من التحليلات فتحت الباب على مصراعيه لتدخل أجهزة مخابرات أجنبية وعلى رأسها الموساد الإسرائيلي الذي سعى لتشكيل المشهد السياسي السوداني بما يخدم مصالحه.
يعتقد أن الحكومة الانتقالية التي تشكلت بعد الثورة لم تكن وليدة إرادة سودانية خالصة بل تأثرت بشكل كبير بضغوط وتوجيهات خارجية.
يذهب البعض إلى القول إن شخصيات رئيسية في تلك الحكومة وصلت إلى مواقعها بدعم وتنسيق مع إسرائيل بهدف تسريع وتيرة التطبيع بين البلدين وتمرير أجندات تضمن لإسرائيل موطئ قدم دائم في السودان.
كان هذا الاختراق يهدف إلى تفكيك بنية الدولة العميقة المناهضة لإسرائيل وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية وتهيئة المسرح لمرحلة جديدة يكون فيها النفوذ الإسرائيلي مباشرا فعالاً وهو ما مهد بدوره للحرب الحالية.
على أرض الواقع تتضح الأهداف الإسرائيلية بشكل أكبر في إطار المصالح الأمنية والجيوسياسية الملموسة
ويعتبر الجيش السوداني تاريخياً أحد الجيوش العربية والإفريقية القوية ذات العقيدة القتالية الراسخة.
فإن إنهاكه وتفكيكه يمثل هدفاً استراتيجياً لإسرائيل لإزالة أي تهديد عسكري محتمل من الخاصرة الجنوبية للعالم العربي.
يزخر السودان بموارد هائلة وعلى رأسها الذهب الذي يعد ثروة استراتيجية عالمية. والسيطرة على مناجم الذهب والموارد الأخرى سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء محليين يوفر لإسرائيل نفوذاً اقتصادياً كبيراً ومصدراً لتمويل عملياتها.
أيضا يمثل السودان عمقاً استراتيجياً حيوياً لأمن البحر الأحمر.
و استمرار حالة الفوضى والحروب يمنع قيام دولة سودانية مستقرة قادرة على التحكم في سواحلها مما يمنح إسرائيل وحلفاءها موقعاً متقدماً ونفوذا أكبر في هذا الممر المائي الحيوي للتجارة العالمية.
إذا الهدف الأسمى هو إبقاء السودان في حالة من الانقسام والتأزم الدائم.
لذلك فإن اية دولة سودانية قوية ومستقرة يمكن أن تصبح قوة إقليمية ومؤثرة هو ما يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية للهيمنة على المنطقة.
وبين الرواية العقائدية التي ترى في السودان “أرضاً للميعاد” وتهديداً مستقبليا والتحليل الاستراتيجي الذي يركز على الأمن والموارد والنفوذ الجيوسياسية يظهر الدور الإسرائيلي في الحرب السودانية كجزء من مخطط أوسع وأكثر تعقيداً لإبقاء السودان ضعيفاً وممزقاً.
في الختام يتضح أن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 تتجاوز كونها صراعاً داخلياً على السلطة لتكشف عن أبعاد استراتيجية وإقليمية معقدة.
بينما يرى البعض أن التدخل الإسرائيلي مدفوع بعقائد تاريخية ومخاوف مستقبلية بينما يركز آخرون على المصالح الجيوسياسية الملموسة المتمثلة في إضعاف الجيوش العربية والسيطرة على الموارد وتأمين النفوذ في منطقة البحر الأحمر.
لكن في مواجهة هذه المخططات الساعية إلى إضعاف الدولة تفكيكها برز عامل حاسم وهو صمود الشعب السوداني والتفافه حول قواته المسلحة.
هذا الاصطفاف الوطني الذي تجلى في صور متعددة من الدعم الشعبي والمقاومة لم يكن مجرد رد فعل عاطفي بل كان وعياً جمعيا بخطورة المرحلة وبالمعركة الوجودية التي تخوضها البلاد.
لقد أثبت هذا التلاحم بين الشعب والجيش أنه خط الدفاع الأول والأقوى في وجه محاولات التقسيم والابتلاع.
إن صمود القوات المسلحة مدعومة بإرادة شعبية صلبة هو ما أفشل حتى الآن خطط إسرائيل وحلفائها لتمزيق السودان ومحوه من الخارطة.
ففي هذه المعركة لم تكن الغلبة للسلاح فحسب بل كانت أيضاً للروح الوطنية التي رفضت الاستسلام للمشاريع الخارجية وأصرت على الحفاظ على وحدة السودان وسيادته.
وهكذا تظل هذه الحرب تذكيرا بأن مصير الأوطان لا تقرره الأجندات الخارجية بل يكتبه صمود شعوبها وتضحياتهم.



