إقتصادمقالات

ما بعد السلام: الإرادة الوطنية هي العملة الوحيدة التي تشتري الفجر الاقتصادي الموعود

بقلم/ محمد سنهوري الفكي الأمين:

m.sanhory@ yahoo.com

في العدد (66) من صحيفة «فويس»، طرحنا قراءة متفائلة بحذر لتوقعات صندوق النقد الدولي حول مستقبل الاقتصاد السوداني ما بعد الحرب، مشيرين إلى إمكانية تحقيق نمو تعويضي قياسي. لم يمر هذا الطرح دون إثراء، حيث تفضل البروفسور فيصل محمد فضل المولى بالرد في العدد (67) بمقال عميق بعنوان “السودان… هل يكفي السلام وحده لولادة فجر اقتصادي جديد؟”. إنني أتوجه لسيادته بجزيل الشكر والتقدير على هذه الإضاءة العلمية النيرة، التي رفعت مستوى النقاش من مجرد قراءة للأرقام إلى تحليل معمق لمتطلبات بناء الدولة. لقد وضع البروفسور فيصل يده على جوهر التحدي، مؤكداً على حقيقة لا يمكن تجاوزها: السلام شرط ضروري، لكنه ليس شرطاً كافياً.

لقد كان الهدف الأساسي من مقالنا الأول هو تسليط الضوء على حجم الفرصة الكامنة في قلب المأساة، والمتمثلة في مفهوم “النمو التعويضي” (Compensatory Growth). فالانكماش الكارثي المتوقع يمثل قاعاً سحيقاً، ومنطق الاقتصاد يفرض أن أي استثمار ضخم في إعادة الإعمار سيولد دفعة نمو هائلة، وهو ما يفسر رقم الـ 9.5% المتوقع في 2026. هذا النمو التعويضي، المدفوع بضخ مئات المليارات من الدولارات لترميم البنية التحتية المنهارة، هو القاطرة الاقتصادية الأولى التي لا يمكن إنكار قوتها المحتملة، حيث يتحول حجم الدمار الهائل إلى محفز للنمو بمجرد توفر التمويل اللازم.

لكننا نتفق تماماً مع البروفسور فيصل في أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد توقف المدافع. إن الأرقام اللامعة التي قدمها صندوق النقد الدولي تخفي خلفها “ظلالاً كثيفة” من المخاطر المؤسسية والسياسية، وهي النقاط التي أضاءها البروفسور ببراعة تستحق التأمين عليها.

أول هذه المخاطر هو الفساد وسوء الإدارة. فالنمو التعويضي هو طاقة خام، والفساد هو الثقب الأسود الذي يبتلع هذه الطاقة، محولاً أموال الإعمار من استثمار في مستقبل البلاد إلى “غنائم لفصائل سياسية أو عسكرية”. إن تجارب دول ما بعد الحرب، كالعراق بعد 2003، تثبت أن ضخ المليارات دون وجود دولة مركزية متماسكة ذات شرعية حقيقية ورقابة مؤسسية فاعلة، سيؤدي حتماً إلى تبديد الثروات وفشل إداري.

ثانياً، نتفق مع البروفسور فيصل على أهمية غياب البيانات الاقتصادية الموثوقة. إن الإشارة إلى أن تقديرات الصندوق مبنية على “تقديرات خبراء” لغياب البيانات الرسمية منذ 2019، ليست مجرد تفصيلة تقنية، بل هي مشكلة استراتيجية خطيرة. فكيف يمكن تصميم سياسات اقتصادية دقيقة، أو طمأنة المستثمر، دون مؤشرات موثوقة؟ إعادة بناء النظام الإحصائي هي مهمة وطنية عاجلة تسبق أي تخطيط اقتصادي دقيق.

ثالثاً، إن قضية الديون وعبء القروض هي سؤال مصيري لا يمكن تجاهله. يجب أن تكون إعادة الإعمار مقترنة ببرنامج شامل لإعفاء الديون، وليس تراكم قروض جديدة تزيد من هشاشة المواطن عبر ضرائب قاسية أو خفض دعم الخدمات. أي تمويل يجب أن يكون في إطار منح ومساعدات تنموية طويلة الأجل، لا قروضاً تجارية.

وفيما يخص القطاع الزراعي، الذي هو العمود الفقري للاقتصاد، فإن البروفسور محق في أن استعادته ليست “زر تشغيل سريع”. فالزراعة تحتاج إلى أمن واستقرار في الريف، وإعادة بناء للمنظومات الإدارية والتمويلية التي تضررت بشدة، وهذا يعزز فكرة أن السلام هو مجرد البوابة، وليس الرحلة بأكملها.

في الختام، يبقى السؤال الأهم الذي طرحه البروفسور فيصل: هل سيشعر المواطن بهذا النمو؟ هنا يكمن الفرق بين النمو الاقتصادي (رقم كلي في الناتج المحلي) والتنمية الاقتصادية (التي تنعكس على الأسعار، والخدمات، والأجور).

لن يشرق الفجر الاقتصادي الموعود إلا إذا تحول السلام من “هدنة عسكرية مؤقتة” إلى “عقد وطني جديد” يرتكز على دولة المؤسسات، والشفافية، والعدالة الاجتماعية. إن الرهان الآن ليس فقط على وقف الحرب المصيرية، بل على بناء دولة قادرة على إدارة السلام والإعمار. السودان يمتلك القدرة على النهوض، لكن هذه القدرة لا تكفي، بل يجب أن تقترن بالإرادة الوطنية الرشيدة التي تحول هذه التوقعات إلى واقع ملموس يشعر به كل مواطن سوداني. هذا هو الشرط الكافي الذي يجب أن يضاف إلى شرط السلام الضروري.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى