مقالات

حين تتحول خشبة المسرح إلى مرآة صادقة للواقع..  قراءة نقدية في مسرحية “والله جد”

وائل عبد الخالق مالك:

على خشبة مسرح اتحاد الأدباء والفنانين ببورتسودان مساء الاثنين الماضي، أُتيحت لي فرصة مشاهدة مسرحية “والله جد” في لحظة لا يمكن فصلها عن واقعها. واقع صارت فيه الهشاشة جزءًا من المشهد اليومي لا خلفية له فقط. وخلال العرض انقطعت الكهرباء فجأة لا كحدث عابر خارج النص بل كامتداد طبيعي لما تقوله المسرحية أصلًا. والمفاجأة لم تكن في انقطاع التيار بل في ما تلاه حيث لم يتوقف العرض ولم يغادر الجمهور. على العكس تحولت الليلة إلى مساحة تضامن حي حين أضاء الحضور هواتفهم وواصل الممثلون الأداء على ضوء فلاشات الجوالات. في تلك اللحظة سقط آخر حاجز بين خشبة المسرح وساحة الجمهور، ولم يعد هناك ممثلون وجمهور بل جماعة واحدة تشارك الفعل نفسه وهو الإصرار على الاستمرار، وعلى أن الفن لا ينتظر شروطًا مثالية كي يقول كلمته. كان ذلك من أصدق لحظات العرض لأن الواقع دخل المسرحية دون استئذان فزادها معنى بدل أن يقطعها.

“والله جد” ليست مسرحية تُشاهَد بقدر ما هي تجربة تُعاش. عمل يرفض التهدئة ويصر على إقلاق المتفرج فكريًا وأخلاقيًا ويضعه منذ اللحظة الأولى داخل أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة
من يملك الحقيقة؟
من يصنع الوهم؟
ولماذا نطارد دائمًا “الشنطة” بدل أن نواجه أنفسنا؟

نص المؤلف والمخرج لؤي حامد لا يراهن على حبكة تقليدية ولا على سرد مريح. هو نص مفتوح ومفكك عمدًا ليعكس تشظي الواقع السوداني والعالمي في زمن السوشيال ميديا وتضخم الخطاب وارتباك المعنى. اللغة في النص كانت حادة وذكية في آن واحد. خليط من العامية والسخرية والشعر والهذيان المقصود مع إحالات سياسية واجتماعية مباشرة. هذا التداخل ليس فوضى مجانية بل اختيار فني واعٍ يضع المتلقي في الحالة نفسها التي تعيشها الشخصيات من ارتباك دائم وشك وضغط ذهني لا يهدأ.

الشنطة بوصفها رمزًا هي قلب العرض النابض. ليست حقيبة مادية بل استعارة ثقيلة للحقيقة المؤجلة وللملفات المسكوت عنها وللوهم الجماعي بأن الخلاص موجود في وثيقة أو تسريب أو لايف عابر.

الإخراج نجح في إدارة الفوضى بدل تزيينها ولم يحاول المخرج ترويض النص أو تبسيطه بل مضى معه حتى نهاياته القصوى. حركة الجوقة وكسر الجدار والتداخل المستمر بين الخشبة والجمهور جعلت المتفرج جزءًا من اللعبة لا مجرد شاهد عليها.

الإيقاع جاء متعمدًا أن يكون مرهقًا أحيانًا وسريعًا أحيانًا أخرى. فالعرض لا يمنح راحة لأنه لا يريد ذلك. يريد اختبار المتلقي.

السينوغرافيا والرموز البصرية خصوصًا استخدام أيقونات العصر الرقمي مثل (لايك، هاشتاق، حظر، متابعة) جميعها جاءت واضحة وغير متكلفة وقدمت قراءة بصرية مباشرة لعالم تحكمه العلامات أكثر مما تحكمه الأفكار.

على مستوى الأداء اعتمدت المسرحية على بطولة جماعية وهو أحد أهم مصادر قوتها. لا نجم واحد يطغى بل كاست منسجم يعرف متى يعلو صوته ومتى يصمت. برزت شخصية “عشانا” بشكل خاص وقد قُدمت بذكاء وحساسية عالية. الممثل أمسك بخيط دقيق بين الكاريكاتير والتراجيديا دون أن يسقط في المبالغة رغم طول المشاهد وكثافة النص. كان مرآة لمن يتكلم باسم الحقيقة ويختنق بها في الوقت نفسه.

الجوقة كانت من أنجح عناصر العرض. حضورهم الجسدي والصوتي المتماسك جعلهم ضميرًا جماعيًا قلقًا، لا يشرح ولا يفسر بل يضغط ويكرر ويشوش كما يفعل الواقع نفسه.

كما جاءت الأدوار النسائية قوية وواضحة خاصة في ما تحمله من إسقاطات ذكية على أسئلة الشرف والحقيقة والتمرد الأخلاقي. لم يكن الأداء شعاريًا بل إنسانيًا وصادقًا ومؤلمًا.

استخدام الغناء والراب والإيقاع والتكرار الصوتي لم يكن استعراضًا بل جزءًا أصيلًا من البنية الدرامية. الموسيقى لم تكن مجرد خلفية بل خطاب موازٍ يعبر عن جيل غاضب وساخر ومتشابك مع واقعه حتى القسوة.

“والله جد” ليست مسرحية تصلح لكل الأذواق وهذا مكسب لا عيب. هي عمل يتطلب متفرجًا حاضر الذهن ومستعدًا للتفكير ولتحمل الفوضى وللخروج بأسئلة أكثر مما دخل به. نجاحها لا يكمن في إرضاء الجمهور بل في قدرتها على استفزازه دون ابتذال والسخرية دون تسطيح والاشتباك مع الواقع دون ادعاء بطولة أخلاقية زائفة.

إنه عمل مسرحي جاد وشجاع ومزعج بالقدر الصحيح.
مسرحية لا تقول لك هذه هي الحقيقة بل تسألك بوضوح مؤلم
لماذا تصدق بسهولة؟
وهل كنت حقًا تريد فتح الشنطة؟

ما يكشفه هذا الحراك الفني لا يقتصر على جرأة النص أو شجاعة الأداء بل يفتح أسئلة أكبر حول الغياب الواضح لوزارة الثقافة والإعلام ومؤسسات الدولة الثقافية عن مشهد وجهد فني حي يُنجز في ظروف قاسية وبإمكانات محدودة. هذا الغياب ليس إداريًا فقط بل رمزي أيضًا لأنه يترك الفن وحيدًا في مواجهة الأسئلة الكبرى بلا دعم وبلا حماية وبلا اعتراف مؤسسي.

دور هذه المؤسسات لا يجب أن يظل محصورًا في التصريحات والبيانات بل في الرعاية والتوثيق وتوفير البنية التحتية وضمان استمرارية مثل هذه التجارب بوصفها جزءًا من مشروع وطني يعيد للمسرح مكانته كمساحة وعي ومساءلة. حين يغيب هذا الدور يواصل الفن الحياة بجهد أصحابه فقط لكنه يدفع ثمنًا لا ينبغي أن يُترك لهم وحدهم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى