زيارة واشنطن الغامضة.. عندما تتحدث الخرطوم بلغة المخابرات لا بلغة الدبلوماسية

بقلم/ محمد بابكر:
في قلب عاصمة القرار العالمي واشنطن لم تكن الخطوات التي قطعها الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل مدير جهاز المخابرات العامة السوداني مجرد عبور دبلوماسي. بل كانت تمثل ثقل دولة بأكملها ورسالة بالغة التعقيد أرسلت عبر القناة الأكثر سرية وحساسية.
ففي زمن الحرب عندما تصمت المدافع مؤقتا وتتجمد الجبهات يبدأ عمل رجال الظل وهنا يبرز دور جهاز المخابرات العامة كلاعب محوري لا مجرد أداة لجمع المعلومات.
عودة الفريق مفضل من الولايات المتحدة محاطة بستار من الصمت المطبق لم تكن مفاجئة. فهذا الصمت ليس فراغا بل هو اللغة التي يتقنها رجال المخابرات والمساحة التي تنسج فيها خيوط السياسة الحقيقية بعيدا عن ضجيج الإعلام وصراعات المنابر. الزيارة لم تكن لتبادل الصور والبيانات الصحفية بل لتقديم الحقائق العارية في حوار الضرورة مع نظرائه في وكالة المخابرات المركزية (CIA) والبنتاغون.
ما الذي كان بين يدي رئيس المخابرات السوداني ولا يمكن قوله عبر القنوات التقليدية؟
لقد حمل معه ملف البقاء والسيادة . ففي تلك الغرف المغلقة لا تناقش بنود المساعدات الإنسانية بل ترسم خطوط المستقبل.
يمثل الفريق مفضل وجهازه في هذه المحادثات الضامن الأمني الذي يقدم رؤية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار لتصل إلى شكل الدولة وضمانات استقرارها.
تخطئ التحليلات التي تحصر مهمة جهاز المخابرات في هذا السياق بـتبادل المعلومات الاستخباراتية فقط. فالملف الأمني لم يكن سوى مفتاح لفتح أبواب أثقل وأكثر أهمية. يمكننا تخيل الطاولة وقد وضعت عليها خرائط المنطقة لا لملاحقة الإرهابيين فحسب بل لتحديد مناطق النفوذ ورسم ضمانات ما بعد الحرب وتحديد شكل الدولة الذي سيسمح له بالبقاء.
الأسئلة الحقيقية التي طرحت هناك لم تكن عن كيف توقف الحرب؟ بل عن ما هو شكل السودان الذي سيخرج من هذه الحرب؟. هل هو سودان موحد بسيادة كاملة أم دولة منقوصة السيادة تدور في فلك الأجندات الإقليمية؟ وهل المؤسسة العسكرية التي يمثل جهاز المخابرات أحد أركانها الصلبة هي الضامن الوحيد للاستقرار أم أن هناك من لا يزال يراهن على بدائل فوضوية؟
لطالما كانت سياسة واشنطن تجاه السودان أشبه برقصة معقدة خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء. فهي لا تريد انهيار الدولة بالكامل لما سيسببه ذلك من فوضى تهدد مصالحها في البحر الأحمر لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في استقرار سريع يغلق الباب أمام نفوذها. هذا هو جوهر إدارة الأزمة الذي تتقنه إبقاء الجرح مفتوحا بما يكفي للتحكم في علاجه.
زيارة الفريق مفضل هي محاولة سودانية عبر قناتها الاستخباراتية لكسر هذه المعادلة للانتقال من موقع الملف المدار إلى موقع الشريك الضروري.
الرسالة الضمنية كانت واضحة استقرار المنطقة يمر عبر الخرطوم وليس فوقها. أمنكم القومي مرتبط بقدرتنا على البقاء وهذه القدرة تحتاج إلى اعتراف ودعم لا إلى حصار وتردد.
في النهاية هذا الصمت المطبق حول الزيارة هو بحد ذاته أقوى تصريح. إنه يعني أن ما تم الاتفاق عليه أكبر من أن يقال وأخطر من أن يسرّب.
والآن لم يعد السؤال ماذا حدث في واشنطن؟ بل ماذا سيحدث في الخرطوم والمنطقة كنتيجة لذلك؟ الأيام القادمة لن تكشف الأسرار بل ستكشف عن آثارها التي ستظهر جلية على رمال الواقع السوداني المتحركة.




