مقالات

يابا مع السلامة.. في وداع الرمز الإذاعي صلاح الدين الفاضل

مصعب الصاوي:

شق علي بل على أجيال وأجيال من تلاميذه ومحبيه وعارفي فضله نعي الأستاذ صلاح الدين الفاضل أرصد هذا الاسم الذهبي الذي شكل ملامح وتيارات التجديد في فنون العمل الاذاعي لاسيما مدرسة هنا أم درمان في دراما الراديو.

لقد تعرفت وجيلي على الاستاذ في ميعة الصبا وشرخ الشباب ونحن نجلس منه على مقاعد الدرس في كلية الموسيقى والدراما وهو يدرس مادة الإخراج الإذاعي وهو أستاذ صاحب بصمة قوية ومؤثرة في طلابه فطريقته في عرض المحاضرات لم تكن طريقة تقليدية كانت أشبه برحلة مشوقة في عالم الأصوات والخيال والكتابة للراديو ومعرفة أسرار وسحر الراديو مازجا القواعد الأكاديمية لعلوم الاتصال والإعلام بالإبداع الإنساني الذي يكمن في الدراما حتى أصبحت طريقته منهجا يحتذى ويعرف ب (فن الرؤية عبر الأذن ) وقد طور هذا المبحث عبر دراسته العليا للنقد الفني بأكاديمية الفنون المسرحية بالقاهرة وبفضلها استطاع طباعة كتابه الأول الذي يحمل العنوان المذكور وقد أشرف على ذلك البحث الناقد المصري الضخم د.نبيل راغب وكذلك تعرف على علوم التحليل الدرامي المتعمق على يدي الدكتورة نهاد صليحة والتي بلغ إعجابه بها أن سمى عليها ابنته نهاد.

جيلنا والأجيال التي سبقتنا تدين للأستاذ صلاح الدين الفاضل بأنه من أكثر القيادات الإعلامية التي آمنت بالمعهد العالي للموسيقى وأدواره ومواهب وقدرات طلابه وقد سعى حثيثا وفق ماتوفر لديه من إمكانات وفرص لاستيعاب خريجي الموسيقى والدراما للعمل بدار الإذاعة والعمل على صقلهم وتدريبهم تحت رعايته المباشرة وعنايته الأبوية الحانية حتى عده منافسوه منحازا لهذه المؤسسة الفنية المتميزة على حساب غيرهم من الموظفين.

كان الأستاذ عاشقا مدنفا للإذاعة السودانية عارفا بالعاملين فيها، درجاتهم ووظائفهم وقدراتهم لذا بكته دار الإذاعة بدموع كالمزن في الهملان فهو ابنها البار بها مخرجا وقياديا وهو خارجها ظل يشرف على عشرات الباحثين في مجال الإعلام الإذاعي بالذات على مستوى الماجستير والدكتوراة بل أسس فكرة عبقرية داخل أروقة الإذاعة وهي دبلوم ( الفنون الإذاعية ) للعاملين بالإذاعة واستقطب له خيرة العلماء والأكاديميين مثل د.الطيب حاج عطية وبروفيسور أحمد الطيب زين العابدين وكان حلمه أن يتطور هذا إلى معهد متكامل طلابه من عموم القارة الأفريقية والدول العربية.

صلاح الفاضل سيرة من التطور والطموح والإرادة الصلبة فبعد أن تآمرت السياسة في سنوات الإنقاذ على إقصائه من منصب مدير الإذاعة لم ينكسر الرجل ولم تفتر عزيمته وهو في سنوات النضج والعطاء بل واصل العطاء في المساق الأكاديمي والتربوي أستاذا بعدد من الجامعات السودانية وخبيرا بالمعهد العربي للإذاعة والتلفزيون بدمشق في مجال الإخراج والدراما.

في صناعة المحتوى البرامجي يعتبر الأوفر إرثا في تصميم البرامج الثقافية بالذات واستقطاب خيرة الأصوات الثقافية المستنيرة للتعاون مع الإذاعة مثل الدكتور محمد عبدالحي والدكتور يوسف عيدابي ود.خالد المبارك. وفي الموسيقى بروفيسور الفاتح الطاهر ود.عاصم خليفة والأستاذ جمعة جابر حتى تأسست بفضله مكتبة كاملة للثقافة السودانية في أزهى عصورها ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

أما مجاله الأساسي وهو الدراما فقد كان متمهرا فيه لأقاصي حدود الإبداع وقد استطاع أن يكون فريقا متجانسا من الممثلين والكتاب والفنيين عرفوا بمجموعة صلاح الدين الفاضل وكانت رؤيته في ذلك أن هذه المجموعة عملت معا لسنوات خلت وحصل بينها من التوافق والانسجام مايسميه ستانسلافسكي بالتواصل الوجداني كما أن هذا الهارموني يسرع من عملية الإنتاج ويجعلها أكثر سلاسة وانسيابية.

أخرج صلاح الدين الفاضل أعمالا درامية لجيل حمدنا الله عبد القادر وهو جيل رائد ولمولانا الخاتم عبدالله وللأساتذة هاشم صديق وتاج السر عطية، لكن يظل البرنامج الدرامي ( رسائل من الحياة ) لتاج السر عطية أعظم وثيقة فنية للتحولات الاجتماعية في السودان الحديث والطبقة الوسطى من الأفندية والمدينة الحديثة في السودان ويوازي هذا البرنامج ( حكاية من حلتنا ) التي يكتبها سعد الدين إبراهيم ويخرجها الاستاذ معتصم فضل والذي ننقل له عبر هذه السطور تعازينا الحارة فعلاقته بالأستاذ عشرة عمر وسنوات من العطاء .

التخطيط والرؤى الاستراتيجية المستقبلية إحدى مواهب صلاح الدين الفاضل والعناية بتأهيل المورد البشري وخلق بيئة صالحة للإبداع كانت شغله الشاغل لم تصرفه عنها مسؤولياته الأسرية والتزاماته المجتمعية المتعددة والمتنوعة.

على المستوى الإنساني صلاح إنسان رائع مليء بالمحبة والإخاء والوفاء لأساتذته ولكل من عمل معه مع وسطية المزاج الامدرماني واعتداله والحرص على التواصل ودعم العاملين فياسبحان الله عدها أحدهم منقصة عندما تم إقصاء صلاح الدين الفاضل من منصب مدير الإذاعة قال أحدهم متملقا الوزير (صلاح الفاضل كان إنساني أكتر من اللازم ) وهل يوجد أفضل من الإدارة الإنسانية للبشر مسلكا ومنهاجا لكنه النفاق والأنس بالسلطان الذي أورد هذه البلاد موارد الهلكة حتى انتهينا إلى مانحن فيه.
الحديث عن أستاذ الجيل صلاح الفاضل يحلو ويطول وهو حديث ذو شجون لسيرة جهيرة ممتدة تستعصي على الإحاطة فكيف نحصي فضله علينا جميعا نحن أبناؤه وتلاميذه إلا كما قال المتنبي :
له أياد علي سابقة
أعد منها ولا أعددها
اللهم إن عبدك صلاح الدين الفاضل جاءك بقلب سليم لايحمل إلا الخير لأهله وإخوته وزملائه وطلابه وشعبه ووطنه اللهم أجزه عنا خير الجزاء وتقبل عمله وتجاوز عن سيئاته. اللهم إنا نشهد أنه كان محبا لنبيك محمد صلوات الله وسلامه عليه فاجعله من واردي حوض شفاعته فالمرء يحشر مع من أحب واجعل محبته للنبي وآل بيته الأبرار وسيلة ومنجاة وقبولا له في مقعد صدق مقتدر مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
إنا لله وإنا إليه راجعون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى